بيان حول جائحة COVID 19

حجم الخط

بسم الله الرحمن الرحيم

En   Fr

بيان حول جائحة COVID 19

اجتمعت الأمانة العامة لمنتدى كوالالمبور يوم الخميس 16 شعبان 1441هـ الموافق 09 أبريل 2020 للمرة الثانية عبر وسيلة التحاضر عن بعد، خلال أسبوعين بعد إعلان الحجر الصحي لتكييف برامج المنتدى وفق التطورات العالمية على إثر انتشار وباء كورونا (covid-19)، وقرر بمناسبة مرور مائة يوم على بداية إعلان الوباء البيان التالي:

منذ مائة يوم والعالم يرزح تحت وطأة أزمة غير مسبوقة فرضتها جائحة كوفيد-19، التي وضعت نصف سكان المعمورة حبيسي المنازل والمستشفيات، فيما العالم كله خائف يترقب لا يستطيع حسم المعركة إلى الآن في مواجهة عدو فتاك اخترق كل الحدود وألحق بالبشرية خسائر كبيرة في الأرواح والأرزاق، لتظهر بذلك عظمة الخالق مالك الملك سبحانه، المهيمن العزيز الجبار المتكبر القاهر فوق عباده الضعفاء، سبحانه ما قدرناه حق قدره، نسأله عز وجل المغفرة والرحمة واللطف بنا كمسلمين وبعباده أجمعين.

لقد أظهرت هذه الجائحة حقائق عظيمة يجب التدبر والتفكر فيها؛ منها:
‐ انهيار المنظومات الصحية في أغلب الدول وعلى رأسها دول غنية ومتطورة، وتوقف كثير من المؤسسات ودخول أعداد كبيرة جديدة في دائرة الفقر والعوز، مما يدل على أن منظومات التنمية في النظام الاقتصادي والاجتماعي السائد كانت منشغلة بمعدلات النمو على حساب التنمية البشرية والخدمات الاجتماعية والإنسانية؛ التي هي أساس التطور الحقيقي للبشرية واستقرار العالم.

‐ ظهور عجز وضعف المنظمات الدولية والإقليمية التي توارت كلية في مواجهة الوباء العالمي، فلا هي استطاعت تقديم الحلول، ولا أسعفت الدول والشعوب الأضعف في العالم، ولا استطاعت تحريك الآليات الأممية للتعاون والتنسيق بين الدول، مما يظهر أنها تعيش حقا أزمة بنائية وتصورية صارت دائمة ومتجذرة.

‐ لم تشذ المنظمات الإقليمية والإسلامية وعلى رأسها منظمة التعاون الإسلامي، والجامعة العربية، عن حالة العجز والتقاعس إذ اختفت كلية ولم تقدر على القيام بأي مبادرة للتعاون بين الدول الأعضاء لمنع انتشار الوباء بين شعوبها على الرغم مما تزخر به أمة الإسلام من قيم دينية وأخلاقية تدعو إلى النجدة والتضامن والتعاون على البر والتقوى، وما يتوفر لديها من إمكانيات مادية توفر لوازم الوقاية والفحص والعلاج وإسعاف حالات العوز المترتبة عن الحجر الصحي.

‐ بروز ممارسات تنم عن انحطاط أخلاقي وانهيار قيمي في عديد من الدول، كالعزوف عن النجدة كما حدث بين الدول الأوروبية وبين كثير من السكان؛ كالقرصنة والسطو على المعدات الطبية والشحنات الغذائية، ومن ذلك التضحية بكبار السن في تقديم الخدمات الصحية في العناية المركزة.

‐ وفي المقابل برزت مظاهر إنسانية وأخلاقية وتضامنية كبيرة على مستوى مختلف الأمم ومن ذلك الأدوار البطولية التي يقوم بها الأطباء وعمال الصحة وعديد من منظمات المجتمع المدني والعاملين في المؤسسات الحكومية المختصة في مواجهة الوباء.
‐ ظهور الخلل العميق في النظام الدولي الراهن الذي يقوم على منطق القوة والصراع والإكراه والتفرد، مما جعل وباء “كورونا” يباعد بين الأمم بدل التقارب بينها لمواجهة الخطر المشترك، ومما جعل الشكوك حول مصدر فيروس “كورونا” وحول أسباب انتشاره تزداد على مستوى الدول والشعوب.

‐ انكشاف الخلل العظيم الملازم للنظام الرأسمالي السائد الذي يقوم على الفردانية الليبرالية وعلى الأنانية وهيمنة الأقوياء وتراكم المنفعة المادية وتركز الثروة في أيادٍ قليلة على حساب الإنسان والبيئة، ودون مراعاة للقيم الإنسانية العليا؛ كالعدالة والتعاون والتضامن والكرامة الإنسانية، مما أحدث خللا كبيرا في الكون وأصاب البشرية بمصائب عدة ألحق بها خسائر أكبر مما تسبب فيه الوباء، كالفقر والجهل والحروب والفتن والجريمة المنظمة والإرهاب والاتجار بالبشر والمخدرات والسلاح العابر للقارات.

وللمساهمة في معالجة هذه الأوضاع في العاجل وحفظ البشرية من أزمات أخرى مستقبلا، يدعو المنتدى كل الدول والمنظمات الدولية والإقليمية وقوى المجتمع إلى:

– إعطاء الأولوية للإنسان في مواجهة أزمة كورونا، لا سيما في المناطق الأكثر حاجة وضعفا، ولدى الفئات الضعيفة كاللاجئين والمساجين والمسنين والمرضى.

– التعاون الدولي على العاجل لترقية الخدمات الصحية على مستوى الوقاية وعمليات الاستكشاف الآنيّ والمبكر والعلاج في مختلف مراحل المرض، وعلى مستوى تصنيع وتوفير المعدات الصحية، وتعميم التجارب الناجحة في محاربة الوباء، وعلى مستوى البحوث لاكتشاف اللقاح والعلاج المناسب وتوفير الميزانية الضرورية لذلك.

– التكفل بالآثار الاقتصادية الناجمة عن الحجر الصحي وعن توقف المؤسسات الاقتصادية، وتوفير الاحتياجات المعيشية الضرورية لحياة الإنسان وكرامته.

– التوجه إلى منظومات اقتصادية بديلة تهتم بالإنسان والطبيعة أولا، وتركز على التنمية المستدامة، والسياسة التشاركية في التنمية، والأبعاد الاجتماعية والتضامنية في العملية الاقتصادية بدل سياسات الفائدة والجشع والأنانية والصراع المتوحش على الموارد والأسواق.

– التوجه إلى إصلاحات عميقة في المنظومة الدولية وإقامة نظام عالمي جديد تشاركي يقوم على الحوار والشفافية والتعاون والأبعاد الإنسانية الحقة، وضمان التنافس على قاعدة الربح للجميع، وبناء منظومة جديدة تشمل عضوية مختلف الأمم على أسس عادلة لا تُستثنى منها الدول العربية والإسلامية.

– حماية المدنيين من آثار الحروب وتحريم وتجريم استعمال الأسلحة الفتاكة النووية والبيولوجية والكيماوية، وحماية السكان من الحصار والعقوبات الاقتصادية لا سيما في ظل أزمة الوباء، وتشكيل لجنة دولية مستقلة للتحقيق في مصدر الوباء وانتشاره.

– تحمُّل منظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية مسؤولياتها في المحافظة على الشعوب العربية والإسلامية من الآثار الصحية والاقتصادية لوباء كورونا، لا سيما الشعوب المحتاجة، وكذا تحمل المسؤولية تجاه الشعب الفلسطيني المحاصر الذي يرزخ تحت الاحتلال.

– تدبُر الشعوب والحكومات العربية والإسلامية في حالة الوباء وآثاره، والانطلاق في بناء واقع سياسي واقتصادي وحضاري يجعل الأمة الإسلامية في وضع أحسن بين الأمم بعد كورونا.

– أخذ الدول المشاركة في قمة كوالالمبور المبادرة لإعطاء نموذج ناجح في الوحدة والتعاون لمحاربة الوباء والاستعداد لما بعده -بحكم التقارب بينها- يكون أسوة لغيرها في العالم الإسلامي.

– اعتبار توفير أجواء الحريات من أهم الأسباب التي تساعد على التعاون بين السكان ودعمهم للجهود الحكومية من خلال شبكات منظمات المجتمع المدني التي لها قدرات هائلة للمساهمة في محاربة وباء “كورونا” وآثاره الاقتصادية والنفسية والاجتماعية.

– التزام السكان في كل مكان بالحجر الصحي الطوعي و التباعد الاجتماعي المؤقت، والصرامة في استعمال أدوات الوقاية والسلامة عند الاضطرار للخروج من مكان الحجر الصحي.

د.عبد الرزاق مقري
الأمين العام للمنتدى

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *