التداول على الحكم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

حجم الخط

 د. علي محمد الصلابي 

من الثابت تاريخياً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُعيّن للمسلمين من يقوم بأمر الدولة الإسلامية بعد وفاته بل لم يحدّد رسول الله الطريقة التي تتبع في اختيار الحاكم بعده، وإنما أوضح القواعد العامة التي يجب أن يراعيها الحاكم في سيرته في الناس ويبيّن بسيرته وأقواله ـ المثل العليا التي يجب التمسك بها والمحافظة عليها من جانب الحاكم والمحكومين على السواء، وأعطى الإسلام فرصة للاجتهاد وفق الأصول والثوابت والقيم والمبادئ وراعى تغير الزمان والمكان، وتوالي الأجيال، وتقلبات الظروف الاجتماعية والاقتصادية وغيرها؛ مما يتحكم في النظام السياسي ويؤثر فيه. ومن ثم ترك الرسول صلى الله عليه وسلم أمر اختيار الحاكم ونظام الحكم للناس، ليقرروا ـ حسب مصالحهم ـ ما يناسب متطلبات الزمان والمكان والظروف المتغيرة، غير مقيدين إلا بالقواعد العامة للشريعة الإسلامية، وبالقواعد والمثل الأخلاقية العليا التي ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلال سنين حكمه في المرحلة المدينة، منذ قامت الدولة الإسلامية الأولى حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى[1].

وهذا البُعد في الاعتراف بإرادة الأمة في اختيار الحكام، والنظام الذي يناسبها مع مراعاة مقاصد الشريعة في ذلك، يدل على مرونة التشريع الإسلامي وإنه صالح ومصلح لكل زمان ومكان.

أولاً: انتقال الرئاسة لأبي بكر الصّدِّيق سلمياً:

لما علم الصحابة بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة في اليوم نفسه وهو يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، وتداولوا الأمر بينهم في اختيار من يلي الخلافة من بعده[2]، والتف الأنصار حول زعيم الخزرج سعد بن عبادة رضي الله عنه، ولما بلغ خبر اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة إلى المهاجرين وهم مجتمعون مع أبي بكر الصّدِّيق رضي الله عنه لترشيح من يتولى الخلافة[3]، قال المهاجرون لبعضهم: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار، فإن لهم في هذا الحق نصيباً[4]، قال عمر رضي الله عنه: فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ[5] عليه القوم. فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين؟، قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينهم[6]، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا هم مجتمعون وإذا رجل مزمِّل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟، فقالوا: يُوعك، فلما جلسنا قليلاً تشهَّد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم ـ يا معشر المهاجرين ـ رهط منَّا، وقد دفَّت دافة[7] من قومكم[8]، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر[9]، فلما سكت أردت أن أتكلم ـ وكنت قد زوّرت[10] مقالة أعجبتني أريد أن أقدّمها بين يدي أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ وكنت أداري منه بعض الحدِّة، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك[11].

فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بداهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت. فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يُعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم ـ فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا ـ فلم أكره مما قال غيرها، وكان والله أن أقدّم فتضرب عنقي لا يُقرِّبني ذلك من إثمٍ أحب إليّ من أن أتأمَّر على قومٍ فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسوِّل إليَّ نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن.

فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجب[12]، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى خشيت من الاختلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار[13].

وفي رواية أحمد .. فتكلم أبو بكر رضي الله عنه فلم يترك شيئاً أنزل في الانصار ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلا وذكره، وقال: ولقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً سلكت وادي الأنصار»، ولقد علمت يا سعد[14] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر فبَرُّ الناس تبع لبرِّهم، وفاجر الناس تبع لفاجرهم»، قال: فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء[15].

ثانياً: التحليل السياسي للأحداث في سقيفة بن ساعدة:

1ـ الأنصار يعتقدون أنهم أحق بالخلافة من غيرهم:

وهذه القناعة لم تنشأ من فراغ، ولم تكن رغبة دنيوية في الحكم بل كان لها أسبابها، فالأنصار كفئة أساسية ومؤسسة من فئات المجتمع الإسلامي، كانوا يرون في أنفسهم بأنهم مؤهلين لهذا الأمر، وكانت الدوافع خوفهم وحرصهم على الدولة الإسلامية من التفرق والتنازع، فهم يرون أنهم الأجدر لمجموعة من الأسباب من أهمها:

أ ـ أنهم هم وليس غيرهم من مدحهم الله بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر، آية: 9).

فالآية تنصف الأنصار بمجموعة من المزايا وهي:

ـ الإيمان.

ـ تؤكد صدق حبهم للمهاجرين.

ـ صفاء ونقاء قلوبهم (سلامة فطرتهم).

ـ إيثارهم مما في أيديهم لإخوانهم المهاجرين.

ـ أنهم مفلحون من جراء أعمالهم هذه، فهي شهادة لهم لا تقدر بثمن.

ب ـ تأييدهم لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم منذ بداية الأمر، وأنَّ قادتهم ونقباءهم هم بايعوه أول مرة عند الصفا وفي بيعتي العقبة، وتضحياتهم التي لا تعد ولا تحصى من أجل الإسلام، كما أنهم كانوا أساس الإسلام ومادته ولقد كانوا هم الأكثرية في بادئ الأمر، لأن المهاجرين كانوا قلة، وقد سلموا بلدهم وأرضهم لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وجعلوا أنفسهم وأولادهم وأموالهم وإمكاناتهم تحت تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ج ـ مديح رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بشكل خاص، وفي أكثر من مناسبة، ووصيته صلى الله عليه وسلم بهم ومن ذلك:

ــ قوله صلى الله عليه وسلم: «لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار ولو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبها الأنصار شعار والناس دثار»[16].

وصيته صلى الله عليه وسلم بهم بقوله: «أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم»[17].

ــ ربطه صلى الله عليه وسلم حبَّ الأنصار بإيمان الإنسان بقوله: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله»[18].

ــ وفي حديث آخر قال رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار»[19].

ــ اختصاصهم بدعوته صلى الله عليه وسلم لجمع الأنصار، وأبنائهم وذرياتهم، بقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار»[20].

ــ قوله صلى الله عليه وسلم لهم يوم فتح مكة: «أنا محمد عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم»[21].

ــ تزكية رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لهم في جانب نخوتهم وشهامتهم وأمانتهم، فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقهم: «ما ضر امرأة نزلت بين بيتين من الأنصار أو نزلت بين أبويها»[22].

د ـ بنى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم عاصمة دولته على أرضهم، وانطلق منها لبقاع الأرض، واختارهم على قومه، فهو صلى الله عليه وسلم لم يبقَ في مكة يوم فتحها، بل رجع مع الأنصار إلى مدينتهم كأنه واحد منهم، وهذا الأمر كان وفاءً لهم بما سبق له صلى الله عليه وسلم أن واعدهم في لقاءاته الأولى بهم، وتحديداً يوم بيعة العقبة الكبرى، حين قال لهم صلى الله عليه وسلم: «الدم الدم، والهدم الهدم»[23].

هـ ـ كانوا أبعد الناس عن الامتيازات والمغانم طيلة فترة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يكن يميزهم بشيء دون الناس بل على العكس من ذلك، فلربما فضل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم الآخرين عليهم أحياناً، وقصة غزوة حنين ما زالت في الأذهان يوم أعطى للمؤلفة قلوبهم ما أعطى صلى الله عليه وسلم؛ وقال للأنصار: «أولا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم»[24].

و ـ خبرتهم وحنكتهم في أمر السياسة التي اكتسبوها من جراء ملازمتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم طيلة فترة بناء الدولة الإسلامية فقد كانوا معه خطوة بخطوة لم يفارقوه أبداً.

ز ـ تخصصهم بحمل القرآن الكريم الذي هو الركن الأساسي في دستور المسلمين، فلقد كان بعض من رجالهم هم من يحفظوه في صدورهم.

فقد اشتهر من الأنصار، كل من أبيّ، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد بن ثابت[25].

2 ـ خطر الانشقاقات السياسية على كيان الدولة:

لمّا علم المهاجرون باجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، شعروا بخطر داهم يمكن أن يشق عصا مواطني الدولة، ويشتت جهودهم، ويمزق وحدتهم، ويهدد كيان دولتهم وكان بإمكان المهاجرين عقد مؤتمر خاص بهم والبحث في الموضوع لوحدهم ولكن من حنكتهم السياسية ورجاحة عقولهم، وفطنتهم وحكمة أبي بكر وعمر وأبي عبيدة رضي الله عنهم، حرصوا على الحضور مع إخوانهم لمواجهة الأمر بالعقل والتدبير الحسن وهذا هو الحل المناسب للموضوع، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه قلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار[26]، ولمّا اقترح على المهاجرين تجاوز الأنصار قال عمر رضي الله عنه: والله لنأتينَّهم[27]، لأن مصلحة الأمة والدولة فوق كل مصلحة ولابد من الشورى.

لقد تعامل قادة المهاجرين مع الأمر الواقع بغاية الذكاء والدهاء السياسي، ودفعوا المخاطر المحتملة، وناقشوا وحاوروا الأنصار، ووصلوا إلى نتيجة تمّ الإجماع عليها وهي اختيار أبي بكر الصّدِّيق رئيس الدولة.

ولو لم يحضروا لحدث واحد من الأمرين كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا”

ــ فإما بايعناهم على ما نرضى.

ــ وإمّا نخالفهم فيكون فساد[28].

 

3 ـ الأنصار يرشحون سعد بن عبادة:

كان سعد بن عبادة رضي الله عنه سيد الخزرج، وأحد الأشراف الأمراء في الجاهلية والإسلام، وكان يلقب في الجاهلية بالكامل لمعرفته الكتابة والرمي والسباحة[29].

وكان الأنصار قد هيأوا سعد بن عبادة رضي الله عنه ليولوه الأمر، وهم يعتقدون أنه الأصلح لرئاسة الأمة الإسلامية بعد رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أو في خدمة دولة الإسلام بشكل عام، وها هي فرصة الأمر بأعلى درجات المعروف وهو الحكم بما أنزل الله مواتية، ولقد كانت لهم أسبابهم المنطقية فقد اشتمل تاريخ سعد بن عبادة رضي الله عنه:

أ ـ جاء في أسد الغابة في معرفة الصحابة للجزري: وكان نقيب بني ساعدة، وشهد بدراً ـ عند بعض رواة السير ـ وكان سيداً جواداً، وهو صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها، وكان وجيهاً في الأنصار ذا رياسة وسيادة، يعترف قومه له بها، ولأهله في الجواد أخبار حسنة[30].

ب ـ إنه كان من أوائل من أسلم من الأنصار وقد شهد بيعة العقبة الكبرى وكان نقيباً من الاثني عشر نقيباً، وكان ممن أمسكت به قريش فأسرته بعد البيعة وضربوه وعذبوه ولكن الله نجاه منهم.

ج ـ موقفه المشرف يوم غزوة الخندق “الأحزاب” حين استشاره رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وسعد بن معاذ رضي الله عنه بأن يعطي ثلث ثمار المدينة لغطفان مقابل أن ينسحبوا من قريش ويعودوا إلى ديارهم، فكان له رضي الله عنه فهماً وكلاماً جميلاً؛ بأن عطفان وغيرهم كانوا لا يطمعون منهم بثمرة واحدة وكانوا على جاهليتهم إلا إما كرماً منهم أو بيعاً، فكيف وقد أعزهم الله بالإسلام، وكان رأيهم ليس لديهم لغطفان إلا القتال[31].

د ـ حامل راية الأنصار في غزوة بني المصطلق وفي غزوة خيبر وفي فتح مكة.

هـ ـ له مكانة خاصة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا كان يسميه “أخي” فكان يخصه بزيارات خاصة في بيته، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من الأنصار فسلم عليه، ثم أدبر الأنصاري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة»؟ فقال: صالح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يعوده منكم؟» فقام، وقمنا معه، ونحن بضعة عشر ما علينا نعال، ولا خفاف، ولا قلانس، ولا قمص نمشي في تلك السباخ حتى جئناه، فاستأخر قومه من حوله، حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه[32].

و ـ التزامه الأدبي مع قرابته ووفاؤه اللافت لهم ولاسيما أمه فقد كان أصيلاً باراً بوالديه، فحين ماتت أمه جاء إلى رسول الله وقال: يا رسول الله إن أم سعد ماتت، فأي الصدقة أفضل؟ قال: «الماء»، قال: فحفر بئراً، وقال: «هذه لأم سعد»[33].

ز ـ تكليفه من قِبَل النبي محمد صلى الله عليه وسلم ببعض المهام الخاصة ومن ذلك:

ــ اختاره صلى الله عليه وسلم ضمن الوفد الذي أرسل للتأكد من خيانة بني قريظة، وذلك أثناء غزوة الخندق، وأتمَّ مع الفريق الذي معه المهمة على أكمل وجه.

ــ استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة عند خروجه صلى الله عليه وسلم لغزوة الغابة لاسترداد إبل المسلمين اللقاح[34]، التي أغار عليها عيينه بن حصن الفزاري في خيل لغطفان،

وبذلك يكون تقديم الأنصار لسعد بن عبادة لتاريخه المشرف وجهوده في خدمة الإسلام، وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن الأنصار وسعد بن عبادة بعد حجج الصّدِّيق اقتنعوا برأيه وبايعوا جميعاً أبا بكر بالخلافة في أعقاب النقاش الذي دار في سقيفة بني ساعدة، إذ أنه نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصّدِّيق بالخلافة وكان ابن عمه بشير بن سعد الأنصاري أول من بايع الصّدِّيق رضي الله عنه في اجتماع السقيفة، ولم يثبت النقل الصحيح أية أزمات لا بسيطة ولا خطيرة، ولم يثبت أي انقسام أَفْرُقٍ لكل منها مرشح يطمع في الخلافة كما زعم بعض كُتّاب التاريخ، ولكن الأخوة الإسلامية ظلت كما هي، بل ازدادت توثقاً كما يثبت ذلك النقل الصحيح، ولم يثبت النقل الصحيح تآمراً حدث بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة لاحتكار الحكم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم[35]، فهم كانوا أخشى لله وأتقى من أن يفعلوا ذلك. وقد حاول بعض الكُتّاب من المؤرخين أصحاب الأهواء أن يجعلوا من سعد بن عبادة منافساً للمهاجرين يسعى للخلافة بِشَرَهٍ ويدبر لها المؤامرات، ويستعمل في الوصول إليها كل أساليب التفرقة بين المسلمين، هذا الرجل صاحب الماضي المجيد في خدمة الإسلام والصحبة الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعقل ولم يثبت أنه كان يريد أن يحيي العصبية الجاهلية في مؤتمر السقيفة لكي يحصل في غمار هذه الفرقة على منصب الخلافة، كما أنه لم يثبت ولم يصح ما ورد في بعض المراجع من أنه ـ بعد بيعة أبي بكر ـ كان لا يصلي بصلاتهم ولا يفيض في الحج بإفاضتهم[36]، كأنما انفصل سعد بن عبادة عن جماعة المسلمين[37].

فهذا باطل ومحض افتراء فقد ثبت من خلال الروايات الصحيحة أن سعداً بايع أبا بكر، فعندما تكلم أبو بكر يوم السقيفة، فذكر فضل الأنصار وقال: ولقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو سلك الناس وادياً، وسلكت الأنصار وادياً أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار»[38].

ثمّ ذكّر سعد بن عبادة بقول فصل وحجة لا ترد فقال: ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم».

قال سعد: صدقت ونحن الوزراء وأنتم الأمراء[39]، فتتابع القوم على البيعة وبايع سعد[40].

وبهذا تثبت بيعة سعد بن عبادة، وبها يتحقق إجماع الأنصار على بيعة أبي بكر، ولا يعود أي معنى للترويج لرواية باطلة، بل سيكون ذلك مناقضاً للواقع واتهاماً خطيراً أن ينسب لسيد الأنصار العمل على شق عصا المسلمين والتنكر لكل ما قدمه من نصرة وجهاد وإيثار للمهاجرين، والطعن بإسلامه من خلال ما ينسب إليه من قول: لا أبايعكم حتى أرميكم بما في كنانتي، وأخضب سنان رمحي، وأضرب بسيفي فكان لا يصلي بصلاتهم ولا يجمِّع بجماعتهم ولا يقضي بقضائهم ولا يفيض بإفاضتهم[41]، أي: في الحج.

إن هذه الرواية التي استُغِلَّت للطعن بوحدة المهاجرين والأنصار وصدق أخوتهم ما هي إلا رواية باطلة للأسباب التالية: أن الراوي صاحب هوى، وهو “إخباري تالف لا يوثق به”[42]، ولاسيما في المسائل الخلافية.

قال الذهبي عن هذه الرواية: وإسنادها كما ترى[43]، أي في غاية الضعف أما متنها فهو يناقض سيرة سعد بن عبادة وما في عنقه من بيعة على السمع والطاعة ولما روي عنه من فضائل[44].

4ـ أبو بكر وتعامله مع النفوس وقدرته على الإقناع:

استطاع أبو بكر أن يدخل في نفوس الأنصار فيقنعهم بما رآه هو الحق، من غير أن يٌعرِّض المسلمين للفتنة، فأثنى على الأنصار ببيان ما جاء في فضلهم من الكتاب والسنة، والثناء على المخالف منهج إسلامي يقصد منه إنصاف المخالف وامتصاص غضبه وانتزاع بواعث الأثرة والأنانية في نفسه ليكون مهيّأ لقبول الحق إذا تبين له، وقد كان في هدي النبي صلى الله عليه وسلم الكثير من الأمثلة التي تدل على ذلك، ثم توصل أبو بكر من ذلك إلى أنّ أفضلهم وإن كان كبيراً لا يعني أحقيتهم في الخلافة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على أن المهاجرين من قريش هم المقدّمون في هذا الأمر[45].

وقد ذكر ابن العربي المالكي أن أبا بكر استدل على أن أمر الخلافة في قريش بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنصار خيراً، وأن يقبلوا من محسنهم ويتجاوزوا عن مسيئهم، ومما احتج، أبو بكر على الأنصار قوله: إن الله سمّانا “الصادقين” وسمّاكم “المفلحين” إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر، آية: 8 ـ 9).

وقد أمركم أن تكونوا معنا حيثما كنا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة، آية: 119).

إلى غير ذلك من الأقوال المصيبة والأدلة القوية؛ فتذكرت الأنصار ذلك وانقادت إليه[46].

وبيَّن الصّدِّيق في خطابه أن مؤهلات القوم الذين يرشحون للخلافة أن يكونوا من يدين لهم العرب بالسيادة، وتستقر بهم الأمور، حتى لا تحدث الفتن فيما إذا تولى غيرهم، وأبان أن العرب لا يعترفون بالسيادة إلا للمسلمين من قريش لكون النبي صلى الله عليه وسلم منهم، ولِمَ استقر في أذهان العرب من تعظيمهم واحترامهم. وبهذه الكلمات النيرة التي قالها الصّدِّيق اقتنع الأنصار بأن يكونوا وزراء معينين وجنوداً مخلصين، كما كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك توحد صف المسلمين[47].

5 ـ التنافس بين المرشحين:

رأى أبو بكر الصّدِّيق أن يرشح كلاً من عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فعمر من المحدثين الملهمين بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما أبو عبيدة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»[48].

ثم برز مرشح آخر قدَّم نفسه وهو من الأنصار وهو الحباب بن المنذر رضي الله عنه ويبدو أنه له فهم آخر وهو من عُرف بـ(ذي الرأي)، فقدَّم نفسه في حملة إعلامية أمام الجميع، بأنه صاحب الرأي والمشورة وهو الجواد والكريم بقوله: أنا جُذيلها المحكّك وعُذيقها المرجَّب، وقدَّم مقترحاً جديدًا بقوله: منا أمير ومنكم أمير، ولكن هذا المبدأ “منا أمير ومنكم أمير” رُفض، لأن ذلك ليس من أصول السياسة الإسلامية التي أقرت منذ البداية بوجود رئيس واحد على هرم السلطة[49].

وأوضح عمر رضي الله عنه؛ إن إقامة أميرين بمثابة: وضع قوة في مواجهة قوة أخرى، مما يفضي حتماً إلى التنازع، وقال: هيهات أن يجتمع اثنان في قرن. سيفان في غمد واحد لا يصطلحان. وتوحدت وجهات النظر بعد نقاش وحوار ووضعت الرئاسة في محلها الصحيح[50].

6 ـ ترشيح أبي بكر رضي الله عنه لرئاسة الدولة:

وجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قد آن الأوان لتقديم مقترح لا يختلف فيه اثنان من الصحابة، شخص له من الامتيازات والمناقب والشمائل، ما لا يعد ولا يحصى، فقدّم أبا بكر الصّدِّيق وقال له: ابسط يدك نُبايعك، فلما جاء عمر وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما ليبايعا أبا بكر الصّدِّيق، سابقهم صحابي من الأنصار هو بشير بن سعد الخزرجي رضي الله عنه، وكان موقفاً نبيلاً منه، فبايعه رضي الله عنه المهاجرون، ثم الأنصار، وحُسِم الأمر لأبي بكر رضي الله عنه وكانت هذه البيعة تمثل بيعة أهل الحل والعقد في الأمة.

وبعد أن بايع أهل الحل والعقد وأهل الشورى في الدولة أبا بكر الصّدِّيق رضي الله عنه كرئيس للدولة لم يكتف عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك لما يمتلك من حكمة رجل السياسة والرأي، فجمع الناس في اليوم الثاني وأعلن البيعة لأبي بكر ورئيساً للدولة وفق المصطلحات السياسية المعاصرة، فبايعه الناس جميعاً ولم يتخلف إلا من كان له عذر وهم قلة يُعدّون على أصابع اليد، وقد بايعوا فيما بعد.

لقد كان في أبي بكر الصّدِّيق رضي الله عنه من المواصفات ما لم تكن في غيره، بحيث اجتمعت عليه الأمة بهذا الشكل فلم يكن الأمر بالهين، فقد كان الناس من المهاجرين والأنصار وغيرهم بالأمس القريب تحت إمرة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بما كانت فيه من مواصفات هائلة أكرمه الله سبحانه وتعالى بها من الوجود كافة، فأي شخص في نظر الناس لا يمثل في القيمة والمكانة  شيئاً أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس من السهل تجاوز هذا الشعور لدى الناس. ولكن رغم كل ذلك فقد قبلوا بأبي بكر رضي الله عنه رئيساً لهم، لأنهم يعرفون قبل غيرهم بم كان يمتاز أبو بكر الصّدِّيق رضي الله عنه عن بقية الصحابة فضلاً عن بقية الناس[51]، فقد تحلى بصفات وملكات وأخلاق نادرة أهلته لرئاسة الدولة منها:

أ ـ تميز بأنه ظَلَّ طول حياته بعد الإسلام متمتعاً بثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم به، وشاهدته له واستخلافه إياه في القيام ببعض أركان الدين الأساسية وفي مهمات الأمور، والصحبة في مناسبات خطرة دقيقة لا يستصحب فيها الإنسان إلا من يثق به كل الثقة، ويعتمد عليه كل الاعتماد.

ب ـ تميز بالتماسك والصمود في وجه الأعاصير والعواصف التي تكاد تعصف بجوهر الدين ولُبهِّ، وتحبط مساعي صاحب رسالته، وتنخلع لها قلوب كثير ممن قوي إيمانهم وطالت صحبتهم، ولكن يثبت هذا الفرد في وجهها ثبوت الجبال الراسيات ويمثل دور خلفاء الأنبياء الصادقين الراسخين ويكشف الغطاء عن العيون، وينفض الغبار عن جوهر الدين وعقيدته الصحيحة.

ج ـ تميز في فهمه الدقيق للإسلام، ومعايشته له في حياة النبي صلى الله عليه وسلم على اختلاف أطواره وألوانه، وحرب وخوف وأمن ووحدة واجتماع، وشدة ورخاء.

د ـ تميز بشدة غيرته على أصالة هذا الدين وبقائه على ما كان عليه في عهد نبيِّه غيرة أشد من غيرة الرجال على الأعراض والكرامات، والأزواج والأمهات والبنين والبنات، ولا يحوله عن ذلك خوف أو طمع أو تأويل أو عدم موافقة من أقرب الناس وأحبهم إليه.

هـ ـ كان دقيقاً كل الدقة وحريصاً أشد الحرص في تنفيذ رغبات الرسول صلى الله عليه وسلم من الذي يخلفه في أمته بعد وفاته، لا يحيد عن ذلك قيد شعرة ولا يساوم فيه أحداً ولا يخاف لومة لائم.

و ـ كان أبو بكر من الزاهدين في متاع الدنيا والتمتع به، زهداً لا يُتصور فوقه إلا عند امامه وهاديه سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وألا يخطر بباله تأسيس الملك والدولة وتوسيعها لصالح عشيرته وورثته كما اعتادت ذلك الأسر الملوكية الحاكمة في أقرب الدول والحكومات من جزيرة العرب كالروم والفرس[52]، وقد اجتمعت هذه الصفات في سيدنا أبي بكر وغيرها وتمثل بها في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته واستمرت معه حتى توفاه الله تعالى، بحيث لا يسع مُنكر أن ينكره أو مشكّك يشك في صحته، فقد تحقق بطريق البداهة والتواتر[53].

لقد تبيَّن للدارسين أن تعيين الخليفة فرض على المسلمين يرعى شؤون الأمة ويقيم الحدود ويعمل على نشر الدعوة الإسلامية وعلى حماية الدين والأمة بالجهاد وعلى تطبيق الشريعة وحماية حقوق الناس ورفع المظالم، وتوفير الحاجات الضرورية لكل فرد وهذا ثابت بالقرآن والسنة والإجماع كما مرّ معنا.

7ـ زهد عمر وأبي بكر في الخلافة:

بعد أن أتم أبو بكر حديثه في السقيفة قدّم عمر وأبا عبيدة للخلافة، ولكن عمر كره ذلك وقال فيما بعد: فلم أكره مما قال غيرها: كان والله أن أقدم فتضرب عنقي ولا يقرِّبني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمَّر على قوم فيهم أبو بكر[54].

ومن هذه القناعة من عمر بأحقية أبي بكر بالخلافة، قال له: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده قال: فبايعته وبايعه المهاجرون والأنصار، وجاء في رواية: قال عمر: … يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر أن يؤمَّ الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر رضي الله عنه؟، فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر[55].

وهذا ملحظ مهم وُفّق إليه عمر رضي الله عنه، وقد اهتم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته فأصرَّ على إمامة أبي بكر، وهو من باب الإشارة بأنه أحق من غيره بالخلافة، وكلام عمر رضي الله عنه في غاية الأدب والتواضع والتجرد من حظ النفس، ولقد ظهر زُهد أبي بكر في الإمارة في خطبته التي اعتذر فيها عن قبول الخلافة حيث قال: «وَاللَّهِ، مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الإِمَارَةِ يَوْمًا وَلا لَيْلَةً قَطُّ ، وَلا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا ، وَلا سَأَلْتُهَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي سِرٍّ وَلا عَلانِيَةٍ ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ ، وَمَا لِي فِي الإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ مِنْ طَاقَةٍ وَلا يَدَ إِلا بِتَقْوِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي الْيَوْمَ» [56].

وقد ثبت أنه قال: وددّتُ أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين، أبي عبيدة أو عمر وكنت وزيراً[57]، وقد تكررت خطب أبي بكر في الاعتذار عن تولي الخلافة وطلبه بالتنحي عنها فقد قال: … أيها الناس هذا أمركم إليكم تولوا من أحببتم من الناس وأنا أجيبكم، وأكون كأحدكم، فأجابه الناس: رضينا بك قسماً وحظاً وأنت ثاني اثنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم[58].

وقد قام باستبراء نفوس المسلمين من أية معارضة لخلافته واستحلفهم على ذلك فقال: أيها الناس أذكر الله أيما رجل ندم على بيعتي لما قام على رجليه، فقام علي بن أبي طالب، ومعه السيف، فدنا منه حتى وضع رجلاً على عتبة المنبر والأخرى على الحصى وقال: والله لا نقيلك ولا نستقيلك قدّمك رسول الله فمن ذا يؤخرك؟[59] ولم يكن أبو بكر وحده الزاهد في أمر الخلافة والمسؤولية، بل إنها روح العصر.

8 ـ حرص الجميع على وحدة الأمة:

من هذه النصوص التي تمّ ذكرها يمكن القول: إن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة لا يخرج عن هذا الاتجاه، بل يؤكد حرص الأنصار على مستقبل الدعوة الإسلامية واستعدادهم المستمر للتضحية في سبيلها، فما اطمأنوا على ذلك حتى استجابوا سراعاً لبيعة أبي بكر الذي قبل البيعة لهذه الأسباب، وإلا فإن نظرة الصحابة مخالفة لرؤية الكثير ممن جاء بعدهم ممن خالفوا المنهج العلمي، والدراسة الموضوعية، بل كانت دراستهم متناقضة مع روح ذلك العصر، وآمال وتطلعات أصحاب رسول الله من الأنصار وغيرهم، وإذا كان اجتماع السقيفة أدى إلى انشقاق بين المهاجرين، والأنصار كما زعمه بعضهم[60]، فكيف قبل الأنصار بتلك النتيجة وهم أهل الديار وأهل العدد والعدة؟ وكيف انقادوا لخلافة أبي بكر ونفروا في جيوش الخلافة شرقاً وغرباً مجاهدين لتثبيت أركانها ولو لم يكونوا متحمسين لنصرتها[61].

فالصواب اتضح على حرص الأنصار على تنفيذ سياسة الدولة والاندفاع لمواجهة المرتدين، وأنه لم يختلف أحد من الأنصار عن بيعة أبي بكر فضلاً عن غيرهم من المسلمين وأن أخوة المهاجرين والأنصار أكبر من تخيلات الذين سطروا الخلاف بينهم في روايتهم المغرضة[62].

9ـ حديث: الأئمة من قريش:

ورد حديث: «الأئمة من قريش» في الصحيحين، وكُتب الحديث الأخرى، بألفاظ متعددة، ففي صحيح البخاري عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبَّه اللهُ في النار على وجهه ما أقاموا الدين»[63]، وفي صحيح مسلم: «لا يزال الإسلام عزيزاً بخلفاء كلهم من قريش»[64].

وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان»[65].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الناس تبع لقريش في هذا الشأن لمسلمهم وكافرهم لكافرهم»[66]، وعن بكير بن وهب الجزري قال: قال لي أنس بن مالك الأنصاري: أحدثك حديثاً ما أحدثه كل أحد كنا في بيت من الأنصار فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقف فأخذ بعضادتي الباب[67]، فقال: «الأئمة من قريش إن لهم عليكم حقاً، ولكم عليهم حقاً مثل ذلك، ما إن استرحموا فرحموا وإن عاهدوا أوفوا وإن حكموا عدلوا»[68].

وفي فتح الباري أورد ابن حجر أحاديث كثيرة تحت باب الأُمراء من قريش أسندها إلى كتب السُنن والمسانيد والمصنفات[69]، فالأحاديث في هذا الباب كثيرة لا يكاد يخلو منها كتاب من كُتب الحديث، وقد رويت بألفاظ متعددة إلا أنها متقاربة تؤكد جميعها أن الإمرة المشروعة في قريش، ويقصد بالإمرة الخلافة فقط، أما ما سوى ذلك فيتساوى فيه جميع المسلمين[70]، وبمثل ما أوضحت الأحاديث النبوية الشريفة أن أمر الخلافة في قريش، حذرت من الانقياد الأعمى لهم، وأن هذا الأمر فيهم ما أقاموا الدين كما سلف في حديث معاوية، وكما جاء في حديث أنس: «إن استرحموا فرحموا وإن عاهدوا أوفوا وإن حكموا عدلوا[71]، ومن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»[72].

وبهذا حذرت الأحاديث من اتباع قريش إذا زاغوا عن الحُكم بما أنزل الله، فإن لم يتمثلوا ويطبقوا مثل هذه الشروط، فإنهم سيصبحون خطراً على الأمة، وحذّرت الأحاديث الشريفة من اتباعهم على غير ما أنزل الله ودعت إلى اجتنابهم والبُعد عنهم واعتزالهم، لما سيترتب على مؤازرتهم آنذاك من مخاطر على مصير الأمة، قال صلى الله عليه وسلم: «إن هلاك أمتي أو فساد أمتي على يدي أغيلمة[73] سفهاء من قريش»[74]، وعندما سئل صلى الله عليه وسلم: فما تأمرنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: «لو أن الناس اعتزلوهم»[75]، ومن هذه النصوص تتضح الصورة لمسألة الأئمة من قريش وأن الأنصار انقادوا لقريش ضمن هذه الضوابط وعلى هذه الأسس، وهذا ما أكدوه في بيعاتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، والصبر على الأثرة وأن لا ينازعوا الأمر أهله، إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهاناً[76].

فقد كان للأنصار تصور تام عن مسألة الخلافة، وأنها لم تكن مجهولة عندهم، وأن حديث: «الأئمة من قريش» كان يرويه كثير منهم، وأن الذين لا يعلمونه سكتوا عندما رواه لهم أبو بكر الصّدِّيق، ولهذا لم يراجعه أحد من الأنصار عندما استشهد به، فأمر الخلافة تمَّ بالتشاور والاحتكام إلى النصوص الشرعية والعقلية التي أثبتت أحقية قريش بها، ولم يسمع عن أحد من الأنصار بعد بيعة السقيفة أنه دعا نفسه بالخلافة، ممّا يؤكد اقتناع الأنصار، وتصديقهم لما تمّ التوصل إليه من نتائج[77]، وبهذا يتهافت ويسقط قول من قال: إن حديث «الأئمة من قريش» شعار رفعته قريش لاستلاب الخلافة من الأنصار أو أنه: رأي لأبي بكر وليس حديثاً رواه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما كان فكراً سياسياً قرشياً، كان شائعاً في ذلك العصر يعكس ثقل قريش في المجتمع العربي في ذلك الحين، وعلى هذا فإن نسبة هذه الأحاديث إلى أبي بكر وأنها شعار لقريش، ما هي إلّا صورة من صور التشويه التي يتعرض لها تاريخ العصر الراشدي وصدر الإسلام الذي قام أساساً على جهود المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان، وعلى روابط الأخوة المتينة بين المهاجرين والأنصار، حتى قال فيهم أبو بكر: نحن الأنصار، كما قال القائل:

أبوا أن يملونا ولو أن أُمَّنا

تلاقي الذي يلقون منا لملت[78]

10 ـ الشورى الجماعية في حادثة السقيفة:

أفرز ما دار في سقيفة بني ساعدة مجموعة من المبادئ منها: أن قيام الأمة لا تقام إلا بالاختيار، وأن البيعة هي أصل من أصول الاختيار وشرعية القيادة، وأن الخلافة لا يتولاها إلا الأصلب ديناً والأكفأ إدارة، فاختيار الخليفة رئيس الدولة وفق مقومات إسلامية، وشخصية، وأخلاقية، وأن الرئاسة لا تدخل ضمن مبدأ الوراثة النسبية أو القبلية، وأن إثارة (قريش) في سقيفة بني ساعدة باعتباره واقعاً يجب أخذه في الحسبان، ويجب اعتبار أي شيء مشابه ما لم يكن متعارضاً مع أصول الإسلام، وأن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة الأمن النفسي السائد بين المسلمين حيث لا هرج ولا مرج، ولا تكذيب ولا مؤامرات، ولا نقض للاتفاق، ولكن تسليم للنصوص التي تحكمهم حيث المرجعية في الحوار إلى النصوص الشرعية[79].

وقد استدل الدكتور توفيق الشاوي على بعض الأمثلة التي صدرت بالشورى الجماعية في سقيفة بني ساعدة حيث قال:

  • ـ أول ما قرره اجتماع يوم السقيفة هو أن “نظام الحكم ودستور الدولة” يقرر بالشورى الحرة تطبيقاً لمبدأ الشورى الذي نص عليه القرآن، ولذلك كان هذا المبدأ محل إجماع، وسند هذا الإجماع النصوص القرآنية التي فرضت الشورى، أي إن هذا الإجماع كشف وأكد أول أصل شرعي لنظام الحكم في الإسلام وهو الشورى المُلزِمة، وهذا أول مبدأ دستوري تقرر بالإجماع بعد وفاة رسولنا صلى الله عليه وسلم، ثم إن هذا الإجماع لم يكن إلا تأييداً وتطبيقاً لنصوص الكتاب والسنة التي أوجبت الشورى[80].
  • ـ تقرر يوم السقيفة أيضاً أن اختيار رئيس الدولة أو الحكومة الإسلامية وتحديد سلطانه يجب أن يتم بالشورى، أي بالبيعة الحرة التي تمنحه تفويضاً ليتولى الولاية بالشروط والقيود التي يتضمنها عقد البيعة الاختيارية الحرة ـ الدستور في النظم المعاصرة ـ وكان هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقرها الإجماع، وكان قراراً إجماعياً كالقرار السابق.
  • ـ تطبيقاً للمبدأين السابقين، قرر اجتماع السقيفة اختيار أبي بكر ليكون الخليفة الأول للدولة الإسلامية[81].

ثم إن هذا الترشيح لم يَصِحَّ نهائياً إلا بعد أن تمت له البيعة العامة، أي موافقة جمهور المسلمين في اليوم التالي بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قبوله لها بالشروط التي ذُكرت[82]، وسنأتي على ذلك بالتفصيل بإذن الله تعالى.

ثالثاً: البيعة العامة:

1 ـ الاجتماع بالمسجد النبوي:

بعد أن تمت بيعة أبي بكر رضي الله عنه البيعة الخاصة في سقيفة بني ساعدة، كان لعمر رضي الله عنه في اليوم التالي موقفاً في تأييد أبي بكر حينما اجتمع المسلمون للبيعة[83] العامة: قال أنس بن مالك: لمّا بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أيها الناس إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهداً عهده إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدبر أمرنا ـ يقول يكون آخرنا ـ وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله صلى الله عليه وسلم فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه»، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة. فتكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: «أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمَّهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله»[84].

وقال عمر لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر، فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة[85].

وتعتبر هذه الخطبة الرائعة من عيون الخطب الإسلامية على إيجازها، وقد قرر الصّدِّيق فيها قواعد العدل والرحمة في التعامل بين الحاكم والمحكوم، وركّز على أن طاعة ولي الأمر مترتبة على طاعة الله ورسوله، ونص على الجهاد في سبيل الله لأهميته في إعزاز الأمة، وعلى اجتناب الفاحشة لأهمية ذلك في حماية المجتمع من الانهيار والفساد[86]، ومن خلال الخطبة والأحداث التي تمت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم يمكن للباحث أن يستنبط بعض ملامح نظام الحكم في بداية عهد الحكم الرشيد والتي من أهمها:

2 ـ مفهوم البيعة:

عرّف العلماء البيعة بتعريفات عدة، منها تعريف ابن خلدون: العهد على الطاعة لولي الأمر[87]، وعرفها بعضهم بقوله: البيعة على التعاقد على الإسلام[88]، وعرفت كذلك بأنها أخذ العهد والميثاق والمعاقدة على إحياء ما أحياه الكتاب والسنة، وإقامة ما أقامه وكان المسلمون إذا بايعوا الأمير جعلوا أيديهم في يده، تأكيداً للعهد والولاء، فأشبه ذلك الفعل البائع والمشتري، فسمي هذا الفعل بيعة، ونتعلم بأن مبايعة الأمة للصّدِّيق بأن الحاكم في الدولة الإسلامية إذا وصل إلى الحكم عن طريق أهل الحل والعقد وبايعته الأمة بعد أن توفرت فيه الشروط المعتبرة، فيجب على المسلمين جميعاً مبايعته والاجتماع عليه، ونصرته على من يخرج عليه، حفظاً على وحدة الأمة وتماسك بنيانها أمام الأعداء في داخل الدولة الإسلامية وخارجها[89].

قال صلى الله عليه وسلم: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»[90]، فهذا الحديث فيه حث على وجوب إعطاء البيعة والتوعد على تركها، فمن مات ولم يبايع عاش على الضلال ومات على الضلال[91].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه، ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر»[92]، فالشارع الحكيم قد رتّب القتل وأمر به، نتيجة الخروج على الإمام مما يدل على حرمة هذا الفعل، لأنه يطالب بيعة أخرى، بالبيعة الأولى التي هي فرض على المسلمين[93].

والذي يأخذ البيعة في حاضرة الدولة هو الرئيس، وأما في الأقاليم فقد يأخذها الرئيس وقد يأخذها نوابه، كما حدث في بيعة الصّدِّيق رضي الله عنه، فأهل مكة والطائف أخذها نواب الخليفة.

والذين تجب بيعتهم للإمام هم أهل الحل والعقد، وأهل الاختيار من علماء الأمة وقادتها، وأهل الشورى وأمراء الأمصار، وأما سائر الناس، وعامتهم فيكفيهم دخولهم تحت بيعة هؤلاء، ولا يمنع العامة من البيعة بعد بيعة أهل الحل والعقد[94]، وهناك من العلماء من قال لابد من البيعة العامة، لأن الصّدِّيق، لم يباشر مهامه كرئيس للمسلمين إلا بعد البيعة العامة له من المسلمين[95].

والبيعة بهذا المعنى الخاص الذي تمّ للصديق لا تعطى إلا لرئيس الدولة، لما يترتب على هذه البيعة من أحكام.

خلاصة القول: إن البيعة بمعناها الخاص هو إعطاء الولاء والسمع والطاعة للخليفة مقابل الحكم بما أنزل الله تعالى، وأنها في جوهرها وأصلها عقد وميثاق بين الطرفين، الإمام من جهة وهو الطرف الأول، والأمة من جهة ثانية وهي الطرف الثاني، فالإمام يبايع على الحكم بالكتاب والسنة، والخضوع التام للشريعة الإسلامية عقيدة وشريعة ونظام حياة، والأمة تبايع على الخضوع والسمع والطاعة للرئيس في حدود الشريعة.

فالبيعة خصِّيصة من خصائص نظام الحكم في الإسلام تفرد به عن غيره من النظم الأخرى في القديم والحديث، ومفهومه أن الحاكم والأمة كليهما مقيد بما جاء به الإسلام من الأحكام الشرعية، ولا يحق لأحداهما سواء كان الحاكم أو الأمة ممثلة بأهل الحل والعقد الخروج على أحكام الشريعة، أو تشريع الأحكام التي تصادم الكتاب والسنة، أو القواعد العامة في الشريعة، ويعد فعل مثل ذلك خروجاً على الإسلام، بل إعلان الحرب على النظام العام للدولة الإسلامية، بل أبعد من هذا نجد أن القرآن الكريم ينفي عنهم صفة الإيمان[96].

قال تعالى:﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (النساء، آية: 65).

فهذا مفهوم البيعة من خلال عصر أبي بكر الصّدِّيق[97].

ــ والبيعة عقد لا يحتمل الإكراه.

ــ ويحتمل الشروط المسبقة.

ــ ولا إمامة إلا بعد عقد البيعة.

ــ وأنه لا عقد بيعة إلا برضا الأمة واختيارها:

ــ ولا رضا بلا شورى بين المسلمين في أمر الإمامة وشؤون الأمة.

ــ وأنه لا شورى بلا حرية.

ــ وأنه السيادة والطاعة المطلقة لله ورسوله[98].

3 ـ نظرية العقد الاجتماعي:

بنظرة متأملة في نشأة الديمقراطية الغربية المعاصرة نجد أن أساسها نظرية العقد الاجتماعي التي صاغها جون جاك روسو لتكون بمثابة أصل تنطلق منه الديمقراطية التي أراد الغرب أن يتخذها منهجاً لسياسته وحكمه، وبأدنى نظرة في هذه النظرية على

وجه الإجمال نجد أنها لا تبتعد عن فكرة البيعة في الإسلام، بل يبدو بوضوح أنها مستقاة منها ولا يبعد ذلك، لأن أوروبا دخلها العلم قديماً ـ في أيام صراعها في القرون الوسطى مع البابا ورجال الإقطاع عن طريق العرب والمسلمين في الأندلس ـ التي بلغت في العلم والتطور شأواً بعيداً، إذ قد أنشئت مدرسة طليطلة للترجمة سنة 1130م وقامت بترجمة أشهر مؤلفات العرب وكتب اليونان التي كان المسلمون ترجموها إلى لغاتهم.

فما البيعة في الإسلام إلا تعاقد بين الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد وبين المرشح للخلافة “رياسة الدولة” ينبني عليه من كلا الطرفين التزام للآخر ويعطيه حقاً عليه.

وللفرد في الأمة صفتان:

صفة شخصية باعتباره مواطناً له حق الحماية وعليه السمع والطاعة، وصفة اجتماعية باعتباره عضواً في الأمة.

والشريعة الإسلامية طبقاً لقواعد نظرية العقد فيها تسمح بانعقاد العقد بإرادة المنفرد بالصفتين، يحلُّ التعاقد بكل منهما طرفاً في التعاقد، ويترتب على التعاقد كل الآثار، وهذه الصفة التي دخل بها الإنسان في الجماعة وإن فقد فيها الكثير من حريته غير المحدودة، إلا أنه كسب فيها حريته المدنية واحترام ملكيته، وأحل العدالة محل الغريزة في سلوكه، وأضفى على تصرفاته أساساً أخلاقياً، وأي اعتداء على الفرد يعتبر اعتداء على الجماعة كلها لأنها جسد واحد. وهذه الصورة الكريمة الوضاءة التي افترضها “جون جاك روسو” صاحب صياغة نظرية العقد الاجتماعي في قوله: “وبمجرد أن تتَّحد جماعة في جسد سياسي فإن أي اعتداء على أي فرد فيها يعتبر اعتداء على الجسد” لا أثر لها إلا في مجتمعات الرسالات السماوية التي تقوم على أساس من الطهر والعفاف ويقظة الضمير في خشية الله، ولذا فقد كانت هذه الصورة واضحة في صدر الإسلام وقد صورها الرسول صلى الله عليه وسلم وقررها في قوله فيما صح عنه فيما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»[99]، وحديث: «مثل المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»[100].

أ ـ رأي عبد الرازق السنهوري في عقد الإمامة:

يرى القانوني المصري الشهير السنهوري في أطروحته التي قدّمها في العشرينيات في باريس عام 1926م أن عقد الإمامة: عقد حقيقي مستوفٍ بشرائطه من وجهة النظر القانونية، وإن الغاية منه أن يكون هو المصدر الذي يستمد منه الإمام سلطته. إنه تعاقد بينه وبين الأمة مبنى على الرضاء، وهو عقد حقيقي، غايته تولية الخليفة السلطة العليا، إنه عقد بين الخليفة والأمة وذلك يعني أن سلطة الخليفة مستمدة من الأمة وأن المسلمين قد سبقوا بقرون عديدة إلى نظرية التعاقد وما يلحقها من نظرية سيادة الأمة[101].

ب ـ أما ضياء الدين الريس، فيرى أن نظرية التعاقد لدى المسلمين تبقى متفوقة عن مثيلتها لدى روسو، ذلك أن العقد الذي تحدث عنه روسو كان مجرد افتراض، لأنه بناه على حالة تخيلها في عصور ماضية سحيقة لا يوجد عليها برهان تاريخي، بينما نظرية العقد الإسلامية تستند إلى واقع تاريخي ثابت هو تجربة الأمة من خلال العصر الذهبي للإسلام[102].

هذا ما يؤكد إجماع المسلمين على الجانب السياسي الاجتماعي من أن الموجب لعقد الإمامة أو طريق ثبوتها هو اختيار الأمة، ويلخص ذلك قولهم أن الإمامة عقد، وإن البيعة صفة، أو رمز ذلك التعاقد بين الإمام والأمة، ويؤصّل بعضهم هذا التعاقد في بيعة العقبة الثانية، فقد كانت بيعة سياسية وضرباً من الحلف العسكري من أجل إقامة نظام سياسي، نظام دولة ذات سيادة[103].

ج ـ الواضح في الخطبة الأولى لأبي بكر: أن المسلمين هم الذين ولَّوه، وأن طاعتهم له مشروطة بالتزامه الخضوع للشريعة، وأنهم هم الرقباء عليه والمسؤولون عن تقويمه إذا اعوج، وأنه لم يصر إماماً ببيعة السقيفة، فقد كانت مجرد ترشيح، وإنما بالبيعة العامة في المسجد صار إماماً[104].

ولقد ردَّد الخلفاء الراشدون بعده هذه المفاهيم، نفسها، وتلقوا البيعة العامة من عامة الناس في المسجد وما اعتبروا أن لسلطانهم مصدراً آخر غير الخضوع للشريعة ورضا الناس عنهم، وأنهم رغم ما حصل من انقلاب في صلب الحكم الإسلامي، فقد ظلت المشروعية واضحة لدى عامة المسلمين فضلاً عن خاصتهم بأنها إنما تستمد من الخضوع للدستور “للشريعة” من الشورى “البيعة العامة”. ولذلك حافظ ملوك الاستبداد على صورة الخلافة بعد أن كادت حقيقتها تضمحل، ومن تلك الشكليات البيعة الصورية، تأكيداً وشكلياً لمعنى سياسي عقائدي استقر في ضمير الأمة، وهو أن الإمام إنما يستمد مشروعية حكمه من رضا الناس وتمثيل إرادتهم عن طريق مبايعة جماعة أهل الحل والعقد له[105].

الخلاصة: أن الإمامة عقد بين الأمة والحاكم، يلتزم فيها الحاكم إنفاذ الشريعة والنصح للأمة ومشاورتها، وتلتزم له، إن هو وفي بذلك السمع والطاعة، وينتج من ذلك، أن الأمة هي مصدر كل سلطاته وأن لها عليه السيادة، كل ذلك في إطار الدستور “الشريعة”[106].

4 ـ الفروق الأساسية بين العقد الاجتماعي والبيعة في الإسلام:

من هذه الفروق:

أ ـ إن فكرة العقد الاجتماعي تقوم في الحقيقة على الخيال، فالعقد فيها مفترض غير واقعي من حيث أنه لم يكتمل مفهومه السياسي إلا إذا افترضنا أن جميع الشعب وكافة طوائفه مشتركة فيه وهذا ما لم يحصل قط.

بينما عقد البيعة على الإمامة في الإسلام واقعي فقد كانت تتم البيعة فعلاً، فبمبايعة أفراد الشعب للإمام أمر واقعي وليس أمراً مفترضاً في الخيال، من حيث أن البيعة تتم من خلال أهل الحل والعقد أولا تتابعهم العامة على ما عقدوا عليه.

ب ـ نظرية العقد الاجتماعي تعطي الحاكم سلطة تحديد مدى ما يتنازل عنه الأفراد من الحريات ومدى ما يتحملونه من التزامات وقيود مما قد يؤدي إلى الاستبداد، بينما الرئيس في الإسلام ليست له سلطة تحديد ما للأفراد من حريات وحقوق لأن ذلك أمراً تنظمه النصوص من الكتاب والسنة وقواعد الإسلام العامة.

ج ـ إن التعاقد السياسي المفترض في نظرية العقد الاجتماعي ما هو إلا اتفاق بين الفرد والجماعة على انضمام الفرد للجماعة، فهو أمر شخصي مقصود به دخوله في الجماعة فالمصلحة فيه فردية ولم يكن وسيلة لإبداء رأي الأمة في شأن عام من شؤونها.

بينما البيعة وسيلة للتعبير عن رأي الأمة وإن لم يشارك في التعبير كل الأفراد وإنما ممثلون عنهم[107].

5 ـ كيفية اختيار رئيس الدولة:

أ ـ حقائق لابد من ذكرها:

قبل الحديث عن اختيار رئيس الدولة لابد من ذكر الحقائق الثلاثة التالية:

الحقيقة الأولى:

إن الشريعة الإسلامية توجب على المسلم أن يكون مواطناً في دولة الإسلام، وتحت إمرة رئيس تلك الدولة، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»[108].

أي على صفة موتهم من حيث هم فوضى لا إمام لهم ولقد كانت سيرة الصحابة رضوان الله عليهم تطبيقاً حياً لهذا النص وأمثاله .. ولهذا رأيناهم انصرفوا على تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أسلم الروح إلى الرفيق الأعلى، إلى سقيفة بني ساعدة لاختيار ـ الخليفة الأول ـ حتى إذا تمت البيعة للصديق رضي الله عنه أقبلوا على جهاز المصطفى صلى الله عليه وسلم وما حملهم على ذلك إلا الخشية من أن يبقوا دون دولة أو من غير دولة[109].

الحقيقة الثانية:

أن الرسول قد انتقل إلى جوار ربه سبحانه وتعالى دون أن ينص على استخلاف أحد.

الحقيقة الثالثة:

أن نصوص الشريعة لم تأت على ذكر الطريقة التي يتم بها اختيار رئيس الدولة، سكتت عن ذلك من غير نسيان، وتركت اختيار رئيس الدولة للأمة لتمارس بكل إرادتها الطريقة التي تراها محققة لمصلحتها على ضوء ما يقدمه عصرها وواقعها من تجارب نافعة ورأي مفيد، وهذه رائعة من روائع الإسلام الدالة على أنه الدين الذي تجد فيه الإنسانية سعادتها في كل العصور والأمصار.

ب ـ الأمة في النظام الإسلامي: هي صاحبة الحق في اختيار الحاكم كونها مسؤولة عن تنفيذ الشرع: وبيان ذلك بأن القرآن الكريم خاطب الأمة بتنفيذ أحكام القانون الإسلامي في المعاملات والعقوبات ونحوها، وجعلها مسؤولة عن هذا التنفيذ من هذه الخطابات:

ـ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (البقرة، آية: 278).

ــ وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة، آية: 38).

ــ وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ (النور، آية: 2).

فهذه النصوص، وأمثالها في القرآن كثيرة، خطابات للأمة بمجموعها، تجعلها مسؤولة عن تنفيذ القانون الإسلامي، وكان من المتعذر عليها في الواقع بصورتها الجماعية مباشرة جميع سلطاتها وقيامها بواجب التنفيذ، فإنه من الواجب عليها الإنابة فيه بأن تختار الرئيس أو الحاكم ليزاول ما تملكه من سلطة نيابة عنها، وينفذ ما هي مكلفة به شرعاً، وهكذا ظهرت النيابة عن الأمة، إذ من المعروف أن مالك السلطة أو الحق ليس من اللازم عليه شرعاً أن يستعمل حقه بنفسه بل له أن يوكل أو ينيب غيره في مباشرة ما يملكه.

ثم إن الأحاديث النبوية التي زخرت بها السنة تؤيد هذا الحق للأمة، حيث أوجبت على الأمة تنصيب إمام عليها، ومنعت بقاءها بدون إمام والسوابق الدستورية في ذلك كثيرة، حيث أجمع الصحابة على أن الاختيار من الأمة هو طريق ثبوت الرئاسة، ولم يعلم أن أحداً منهم نازع في ذلك[110].

جـ ـ وسيلة إسناد السلطة للحاكم من قبل الأمة: إذا كانت الأمة هي صاحبة الحق في اختيار الحاكم فكيف تباشر هذا الحق على صعيد الواقع؟ أيقوم به أفراد الأمة مباشرة؟ أم يقوم بهذا الحق طائفة منهم بتحويل منها؟

الواقع أنّا لا نجد في النظام الإسلامي إلزاماً بصورة واحدة من هاتين الصورتين دون الثانية، مما يدل على أن تنظيم هذا الأمر متروك لتقدير الأمة حسب الظروف والأحوال، فيمكن أن يكون الحاكم بطريقة الانتخاب المباشر أو غير المباشر، فكلاً الطريقتين مما تتسع له قواعد الشريعة الإسلامية[111].

د :طريقة الانتخاب المباشر:

الانتخاب بشكل عام يقصد به: المفاضلة بين من طلبوا ولاية منصب ما من المناصب التي تم توليها بهذه الطريقة، واختيار الأصلح منهم، من وجهة نظر صاحب الحق في الاختيار، وهذا بعد تحقق الشروط المطلوبة لذلك المنصب.

وهذه الطريقة في اختيار الحاكم تجد سندها في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُم شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى، آية: 38).

فهذا النص القرآني بظاهره يوجب أن يتشاور أفراد الأمة ـ لا فئة متميزة منها ـ في شؤونهم وفي أعلاها انتخاب رئيس الدولة، فيباشرون جميعاً هذا الحق إلا من استثني منهم بدليل شرعي لعدم التكليف[112].

وتقوم هذه الطريقة على إعطاء كل مواطن توافرت فيه شروط الناخب حق التصويت لاختيار رئيس الدولة وذلك بعد الإعلان عن المرشحين، مع ملاحظة أنه لا يُقبل ترشيح إلا من توافرت فيه الشروط المطلوبة للخليفة، لأن منصب الإمامة ليس منصباً تشريفياً وإنما هو عمل وجهد ومسؤولية.

ولا مانع شرعاً من أن يترشح لهذا المنصب أكثر من واحد، بل هذا هو المطلوب تجنباً للشورى الشكلية والمرشح الفائز بأغلبية أصوات الناخبين يتولى أخذ البيعة الخاصة من أهل الحل والعقد عن طريق مباشر كوضع اليد في اليد، أمّا عامة الناس فتكون بيعتهم في صيغة من الصيغ التي تراها الدولة مناسبة[113].

على أن البيعة هنا لا تعني الانتخاب والاختيار وإنما تعني الموافقة على نتيجة الانتخاب واختيار الخليفة الجديد، ومعاهدته على الطاعة له والانصياع لأوامره.

 

هـ : طريقة الانتخاب غير المباشر:

وتقوم هذه الطريقة على أساس أن يقوم أهل الحل والعقد بالمفاضلة بين المرشحين لمنصب الإمامة إلى أن يستقر رأيهم أو رأي أكثريتهم على اختيار واحد من المرشحين، وبهذا الاختيار تنعقد الإمامة للرئيس الجديد، وبعدها يتولى الرئيس المنتخب أخذ البيعة من عامة الناس وبالطريقة التي تراها الدولة مناسبة، وذلك تأكيداً لبيعة أهل الحل والعقد له، وإعلاناً للدخول في طاعته[114].

وهذه الطريقة في الانتخاب تجد سندها في السوابق الدستورية الثابتة في عصر الخلفاء الراشدين، فقد تم انتخاب الخلفاء الراشدين ـ وعصرهم خير العصور فهماً للإسلام وتطبيقاً له ـ من قبل طائفة من الأمة، وهم أهل الحل والعقد، وتابعهم بعد ذلك الناس الموجودين في المدينة، فبايعوا من اختاره أهل الحل والعقد للرئاسة، ولم ينتخبهم جميع المسلمين في جميع المدن الإسلامية[115]، ولم ينقل لنا اعتراض على هذه الكيفية لا من الخلفاء الراشدين أنفسهم ولا من غيرهم، فيكون ذلك إجماعاً منهم على صحة الانتخاب غير المباشر في إسناد السلطة للحاكم، كما نجد سندها في أن صاحب الحق ـ وهي الأمة التي لها حق الاختيار ـ لها أن تنيب طائفة.

 

 

رابعاً: تحليل خطاب أبي بكر بعد البيعة العامة:

كانت بيعة الخلفاء الراشدين على كتاب الله وسنة رسوله متضمنة أهم أسس العدالة والحرية والكرامة والمساواة ومبادئ الحكم الرشيد، ولم يكن الصحابة ليعترضوا ببيعة الخلفاء الراشدين لو لم تكن وفق أصول النظام الإسلامي كما هي مقررة في الشريعة الإسلامية، وتضع لسلطة الحاكم قيوداً وحدوداً شرعية وقد تعرض عدد كبير من الباحثين المعاصرين لأسس العدالة في النظام الإسلامي ومنهم من سماها ضمانات الحكم الإسلامي، مثل محمد أحمد مفتي في كتابه “أركان وضمانات الحكم الإسلامي”، ومنهم عبد الغني بسيوني في كتابه “نظرية الدولة في الإسلام” وقد جعلها في ست ضمانات وهي وجود دستور إلٰهي، وتقرير المبادئ الدستورية الإلٰهية والحقوق والحريات العامة، وتقرير مسؤولية الحاكم، والفصل بين السلطات، وخضوع السلطة الحاكمة لرقابة القضاء[116].

وكذلك أوردها توفيق الشاوي ضمن كتابه: فقه الشورى والاستشارة وقال: إن الفقه الإسلامي يكبح جماح سلطان الحكام، لأنه يحصر ولاية الحكومة الشرعية في نطاق التنفيذ، ويحجبها عن ميدان الفقه ويفرض الأساس التعاقدي للدستور الذي يفصل شروط البيعة الحرة ويقيد سلطة الحكام، وينظم مساءلتهم والرقابة على أعمالهم، ويحمي استقلال المؤسسات المستقلة عنهم في ميدان الفقه والعلم والتعليم والأوقاف وبين المال والزكاة[117].

ويظهر أن توفيق الشاوي يحدد أسس وضمان العدالة في الحكم الإسلامي فيما يلي:

ــ استقلال الشريعة والفقه على سلطة الدولة التنفيذية.

ــ اختيار الرئيس يقوم على أساس البيعة الحرة.

ــ الحد من سلطة الحاكم.

ــ مراقبة الحاكم ونقده وتقويمه.

ــ استقلال المؤسسات العلمية والتعليمية والمالية عنهم[118].

وقد جاء في خطبة الصّدِّيق حينما وُلّي الخلافة ما يوضح الحدود والقيود على سلطة الحكام التي تضمن سير العدالة.

فقد نص خطاب الصّدِّيق رضي الله عنه على الآتي:

أما بعد:

ــ أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم.

ــ فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني.

ــ الصدق أمانة والكذب خيانة.

ــ والضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله.

ــ لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل.

ــ ولا يشيع في قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء.

ــ أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم[119].

فنص الخطاب يتضمن أهم شروط البيعة التي يلتزم بها الإمام.

وفي خطاب أبي بكر لنا وقفات منها:

1 – أول حاكم بعد الرسول:

إن أبا بكر رضي الله عنه هو أول حاكم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، بشر لا يوحى إليه، فبهذه الصفة مؤهل لأن يكون نموذجاً للحكم الرشيد الذي فيه الدروس والعبر والقيم من خلال المجهود البشري الذي يخطىء ويصيب ومسترشد بالقرآن والسنة.

2 ـ التواضع الكبير:

إن نص هذه الخطبة يعتبر بمصطلحات وأقوال عصرنا هو البيان الوزاري للسلطة التنفيذية التي تمّت عليه البيعة العامة، وإعطاء الثقة في المسجد بعد البيعة الخاصة في السقيفة في ضوئه[120].

3 ـ البيان الوزاري للسلطة:

إن قول أبي بكر رضي الله عنه: «وُلّيت عليكم ولست بخيركم» فكل حاكم يجب أن يعلم أنه معرّض للخطأ والمحاسبة وأنه لا يستمد سلطته من أي امتياز شخصي، وهذه العبارة تكفي للرد على جميع من يدّعون أن الحكومة الإسلامية يمكن أن تكون لها صفة دينية أو ثيوقراطية[121].

وهذه مدرسة الإسلام في تقديم النماذج القيادية للسلطة التنفيذية، من معالمها التواضع الجم، وإلا فأبو بكر خير الناس بعد محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء المرسلين بلا منازع بنصوص واضحة وصريحة من الكتاب والسنة، ولكن أبا بكر يؤسس لمنهج التواضع السياسي الذي ينبغي أن يسير عليه مواطنو الدولة الإسلامية وخاصة رئيسهم لأنه القدوة بالنسبة للآخرين.

إن التواضع المطلوب في الإسلام هو التواضع الشامل في الأخلاق والكلام والأفعال والملبس والمأكل والمشرب والمركب لا يُستثنى من شؤون الحياة شيء[122].

4 ـ حق الأمة في مراقبة الحاكم ومحاسبته:

قال أبو بكر رضي الله عنه: فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني[123].

فهذا الصّدِّيق يقرّ بحق الأمة وأفرادها في الرقابة على أعماله ومحاسبته عليها، بل وفي مقاومته لمنع كل منكر يرتكبه، وإلزامه بما يتبرونه الطريق الصحيح والسلوك الشرعي، وقد أقر الصّدِّيق في بداية خطابه للأمة أن كل حاكم معرض للخطأ والمحاسبة، وأنه لا يستمد سلطته من أي امتياز شخصي يجعل له أفضلية على غيره، لأن عهد الرسالات والرسل المعصومين قد انتهى، وأن آخر رسول كان يتلقى الوحي انتقل إلى جوار ربه، وقد كانت له سلطة دينية مستمدة من عصمته كنبيٍّ، ومن صفته باعتباره رسولاً يتلقى التوجيه من السماء، ولكن هذه العصمة قد انتهت بوفاته صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم أصبح الحكم والسلطة مُستمدَّين من عقد البيعة وتفويض الأمة للحاكم[124].

إن الأمة في فقه أبي بكر لها إرادة حية واعية لها القدرة على المناصرة والمناصحة والمتابعة، والتقويم، فالواجب على الرعية نصرة الإمام الحاكم بما أنزل الله ومعاضدته ومناصرته في أمور الدين والجهاد، ومن نصرة الإمام ألا يهان، ومن معاضدته أن يحترم، وأن يكرّم فقوامته على الأمة وقيادته لها لإعلاء كلمة الله تستوجب تبجيله وإحلاله، وإكرامه، إجلالاً وإكراماً لشرع الله الذي ينافع عنه ويدافع عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلا الله تعالى، إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير المغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط»[125].

والأمة واجب عليها أن تناصح ولاة أمرها قال صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» ـ ثلاثاً ـ قال الصحابة: لِمن يا رسول الله؟. قال: «لله عزَّ وجل ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»[126].

ولقد استقر في مفهوم الصحابة أن بقاء الأمة على الاستقامة رهن باستقامة ولاتها، ولذلك، كان من واجبات الرعية تجاه حكامهم نصحهم وتقويمهم، ولقد أخذت الدولة الحديثة تلك السياسة الرائدة للصّدِّيق رضي الله عنه وترجمت ذلك إلى لجان متخصصة ومجالس شورية تمد الحاكم بالخطط وتزوده بالمعلومات، وتشير عليه بما يحسن أن يقرّره والشيء المحزن أن كثيراً من الدول الإسلامية تعرض عن هذا النظام الحكيم، فعظم مصيبتها في تسلط الحكام وجبروتهم، والتخلف الذي يعم معظم ديار المسلمين ما هو إلا نتيجة لتسلط بغيض “ودكتاتورية” لعينة، أماتت في الأمة روح التناصح والشجاعة وبذرت فيها وزرعت فيها الجبن والفزع إلا من رحم ربي[127].

ولعل مع ثورات الشعوب المتطلعة إلى الحرية، والكرامة والعدالة، تنجح هذه الشعوب الثائرة بالقيام بدورها في اختيار الأصلح ومراقبة الحكام ومناصحتهم وتستفيد من تجربة الصّدِّيق الرشيده في إدارة الحكم.

5 ـ الصدق أساس التعامل بين الحاكم والمحكوم:

قال أبو بكر رضي الله عنه: «الصدق أمانة والكذب خيانة». أعلن الصّدِّيق رضي الله عنه مبداً أساسياً تقوم عليه خطته في قيادة الأمة وهو: أن الصدق بين الحاكم والأمة هو أساس التعامل، وهذا المبدأ السياسي الحكيم له الأثر الهام في قوة الأمة حيث ترسيخ جسور الثقة بينها وبين حاكمها، إنه خُلق سياسي منطلق من دعوة الإسلام إلى الصدق.

ــ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة، آية: 119).

ومن التحذير من الكذب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر»[128].

فهذه الكلمات: (الصدق أمانة) اكتست بالمعاني، فكأن لها روحاً تروح وتغدو بين الناس، تلهب الحماس، وتصنع الأمل، (والكذب خيانة) وهكذا يأبى أبو بكر إلا أن يمس المعاني، فيسمي الأشياء بأسمائها، فالحاكم الكذاب هو ذلك الوكيل الخائن الذي يأكل خبز الأمة ثم يخدعها، فما أتعس حاكماً يتعاطى الكذب فيسميه بغير اسمه، لقد نعته الصّدِّيق بالخيانة، وأنه عدو أمته الأول .. وهل بعد الخيانة من عداوة؟.

حقاً ما زال الصّدِّيق يطل على الدنيا من موقفه هذا، فيرفع أقواماً ويسقط آخرين، وتظل صناعة الرجال أرقى فنون الحكم، إذ هم عدة الأمة ورصيدها الذي تدفع به عن نفسها ملمات الأيام، ولا شك أن من تأمل كلمات أبي بكر تلك أصدقه الخبر بأن الرجل كان رائداً في هذا الفن الرفيع، فقد كان يسير على النهج النبوي الكريم[129].

إن شعوب العالم اليوم تحتاج إلى هذا النهج الرباني في التعامل بين الحاكم والمحكوم لكي تقاوم أساليب تزوير الانتخابات وتلفيق التهم، واستخدام الإعلام وسيلة لترويج اتهامات باطلة لمن يعارضون الحكام أو ينتقدونهم، ولابد من إشراف الأمة على التزام الحكام بالصدق والأمانة من خلال مؤسساتها التي تساعدها على تقويم ومحاسبة الحكام إذا انحرفوا[130]، فتمنعهم من سرقة إرادتها وشرفها، وحريتها وأموالها.

6 ـ إقرار مبدأ العدل والمساواة بين الناس:

قال أبو بكر الصّدِّيق رضي الله عنه: «الضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله»[131].

إن من أهداف دولة الصّدِّيق الحرص على إقامة مقاصد القرآن الكريم التي تساهم في إقامة المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي، فلا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل.

إن إقامة العدل بين الناس أفراداً وجماعات ودولاً، ليست من الأمور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو الأمير وهواه، بل إن إقامة العدل بين الناس في الدين الإسلامي تعد من أقدس الواجبات وأهمها، وقد أجمعت الأمة على وجوب العدل[132].

قال الفخر الرازي: أجمعوا على أن من كان حاكماً وجب عليه أن يحكم بالعدل[133]، وهذا الحكم تؤيده النصوص القرآنية والسنة.

إن من أهداف دولة الإسلام إقامة المجتمع الإسلامي الذي تسود فيه قيم العدل والمساواة ورفع الظلم ومحاربته بجميع أشكاله وأنواعه كافة، وعليها أن تفسح المجال وتيسر السُبل أمام كل إنسان يطلب حقه، أن يصل إليه بأيسر السبل وأسرعها دون أن يكلفه ذلك جهداً أو مالاً، وعليها أن تمنع أية وسيلة من الوسائل من شأنها أن تعيق صاحب الحق عن الوصول إلى حقه. لقد أوجب الإسلام على الحكام، أن يقيموا العدل بين الناس، دون النظر إلى لغاتهم أو أوطانهم أو أحوالهم الاجتماعية، فهو يعدل بين المتخاصمين ويحكم بالحق، ولا يهمه أن يكون المحكوم لهم أصدقاء، أو أعداء، أو أغنياء أو فقراء عمالاً أو أصحاب عمل[134].

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة، آية: 8).

لقد كان الصّدِّيق رضي الله عنه قدوة في عدله يأسر القلوب، ويبهر الألباب، فالعدل في نظره دعوة عملية للإسلام، فيه تفتح قلوب الناس للإيمان. لقد عدل بين الناس في العطاء، وطلب منهم أن يكونوا عوناً له في هذا العدل، وعرض القصاص من نفسه في واقعة تدل على العدل والخوف من الله سبحانه وتعالى[135].

فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أن أبا بكر الصّدِّيق رضي الله عنه قام يوم جمعة فقال: إذا كنا بالغداه، فأحضروا صدقات الإبل نقسمها، ولا يدخل علينا أحد إلا بإذن، فقالت امرأة لزوجها: خذ هذا الخطام لعل الله يرزقنا جملاً، فأتى الرجل فوجد أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قد دخلا إلى الإبل فدخل معهما، فالتفت أبو بكر فقال: ما أدخلك علينا؟ ثم أخذ منه الخطام فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسم الإبل دعا الرجل، فأعطاه الخطام وقال: استقد ….. فقال عمر: والله لا يستقد ولا تجعلها سنة، قال أبو بكر: فمن لي من الله يوم القيامة؟ قال عمر: أرضه، فأمر أبو بكر غلامه أن يأتيه براحلته ورحلها وقطيفة وخمسة دنانير فأرضاه بها[136].

وأما مبدأ المساواة الذي أقره الصّدِّيق في بيانه الذي ألقاه على الأمة، فيُعدُّ أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، وهي من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم وسبق به تشريعات وقوانين العصر الحاضر.

وممّا ورد في القرآن الكريم تأكيداً لمبدأ المساواة قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات، آية: 13).

إن الناس جميعاً في نظر الإسلام سواسية، الحاكم والمحكوم، والرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس، أو اللون أو النسب، أو الطبقة، والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء[137].

وجاءت ممارسة الصّدِّيق لهذا المبدأ خير شاهد على ذلك، وكان رضي الله عنه ينفق من بيت مال المسلمين فيُعطي كل ما فيه سواسية بين الناس، فقد كان توزيع العطاء في عهده على التسوية بين الناس وقد ناظر الفاروق عمر رضي الله عنه أبا بكر في ذلك فقال: أتسوي بين من هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين، وبين من أسلم عام الفتح؟، فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ للراكب. ورغم أن عمر رضي الله عنه غيّر في طريقة التوزيع، فجعل التفضيل بالسابقة إلى الإسلام والجهاد إلا أنه في نهاية خلافته قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لرجعت إلى طريقة أبي بكر فسويت بين الناس[138].

وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيحمل في سبيل الله، واشترى عاماً قطائف (القطيفة كساء مخمل) أتى بها من البادية، ففرّقها في أرامل أهل المدينة في الشتاء، وقد بلغ المال الذي ورد على أبي بكر في عهده مائتي ألف وزعت في أبواب الخير[139]، لقد اتبع أبو بكر رضي الله عنه المنهج الرباني في إقرار العدل، وتحقيق المساواة بين الناس وراعى حقوق الضعفاء، فرأى أن يضع نفسه في كفة هؤلاء الواهنة أصواتهم، فيتبعهم بسمع مرهف وبصر حاد وإرادة واعية، لا تستذلها عوامل القوة الأرضية فتملي كلمتها … إنه الإسلام في فقه رجل دولته النابه، الذي قام يضع القهر تحت أقدام قومه، ويرفع بالعدل رؤوسهم فيُؤمِّن به كيان دولته ويحفظ لها دورها في حراسة الملة والأمة[140].

لقد قام الصّدِّيق رضي الله عنه، منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية، فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم، ولهذا وضع الصّدِّيق رضي الله عنه سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردِّد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل، آية: 90).

كان أبو بكر يريد أن يطمئن المسلمون إلى دينهم، وحرية الدعوة إليه، وإنما تتم الطمأنينة للمسلمين ما قام الحاكم فيها على أساس من العدل المجرد عن الهوى.

والحُكم على هذا الأساس يقتضي من الحاكم أن يسمو فوق كل اعتبار شخصي، وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين في حكمه، وقد كانت نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة قائمة على إنكار الذات والتجرد لله تجرداً مطلقاً جعله يشعر بضعف الضعيف وحاجة المجتمع ويسمو بعدله على كل هوى، وينسى في سبيل ذلك نفسه وأبناءه، وأهله، ثم يتتبع أمور الدولة جليلها ودقيقها، بكل ما أتاه الله من يقظة وحذر[141].

وبناء على ما سبق يرفع العدل لواءه بين الناس، فالضعيف آمن على حقه، وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل، فهو به قوي لا يمنع حقه ولا يضيع، والقوي حين يظلم يردعه الحق، وينتصف منه للمظلوم، فلا يحتمي بجاه أو سلطان أو قرابة ذي سطوة أو مكانة. وذلك هو العز الشامخ، والتمكين الكامل في الأرض[142].

وما أجمل ما قاله ابن تيمية رحمه الله: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة .. بالعدل تستصلح الرجال، وتستغزر الأموال[143].

7 ـ إعلان التمسك بالجهاد وإعداد الأمة لذلك:

قال أبو بكر رضي الله عنه: «وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل»[144]، لقد تلقى أبو بكر تربيته الجهادية مباشرة من نبيه وقائده العظيم صلى الله عليه وسلم، تلقاها تربية حية في ميادين الصراع بين الشرك والإيمان، والضلال والهوى، والشر والخير، ولقد ذكرت مواقف الصّدِّيق في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ولقد فهم الصّدِّيق رضي الله عنه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»[145]، أن الأمة تصاب بالذل إذا تركت الجهاد، فلذلك جعل الصّدِّيق الجهاد إحدى حقائق الحكم في دولته[146].

ولذلك حشد طاقات الأمة من أجل الجهاد لكي يرفع الظلم عن المظلومين، ويزيل الغشاوة عن أعين المقهورين، ويعيد الحرية للمحرومين، وينطلق بدعوة الله في آفاق الأرض يزيل كل عائق ضدها.

8 ـ إعلان الحرب على الفواحش:

قال أبو بكر رضي الله عنه: ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمَّهم الله بالبلاء[147]، والصّدِّيق هنا يذكر الأمة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا»[148].

إن الفاحشة هي داء المجتمع العضال الذي لا دواء له، وهي سبيل تحلله وضعفه حيث لا قداسة لشيء، فالمجتمع الفاحش لا يغار ويقر الدنية ويرضاها، إنه مجتمع الضعف والعار والأوجاع والأسقام وحال الناس أدل شاهد. لقد وقف أبو بكر يحفظ قيم الأمة وأخلاقها[149].

فقد حرص في سياسته على طهر الأمة ونقائها، وبُعْدها عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وهو رضي الله عنه يريد بذلك أمة قوية لا تشغلها شهواتها ولا يضلها شيطانها، لتعيش أمة منتجة تعطي الخير، وتقدم الفضل لكل الناس.

إن علاقة الأخلاق بقيام الدول، وظهور الحضارة علاقة ظاهرة، فإن فسدت الأخلاق، وخربت الذمم، ضاعت الأمم، وعمها الفساد والدماء، والدارس لحياة الأمم السابقة والحضارات السالفة بعين البصيرة، يدرك كيف قامت حضارات على الأخلاق الكريمة والدين الصحيح كالحضارة التي قامت في زمن داود وسليمان عليهما السلام، والتي قامت في زمن ذي القرنين وكثير من الأمم التي التزمت بالقيم والأخلاق، فظلت قوية طالما حافظت عليها، فلما دب بسوس الفواحش إليها استسلمت للشياطين، وبدلت نعمة الله كفراً، وأحلت قومها دار البوار، فزالت قوتها، وتلاشت حضارتها[150].

إن الصّدِّيق رضي الله عنه استوعب سنن الله في المجتمعات وبناء الدول وزاولها، وفهم أن زوال الدول يكون بالترف والفساد والانغماس في الفواحش والموبقات، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَاَ تدْمِيرًا﴾ (الإسراء، آية: 16).

أي: أمرناهم بالأمر الشرعي من فعل الطاعات وترك المعاصي فعصوا وفسقوا فحقَّ عليهم العذاب والتدمير جزاء فسقهم وعصيناهم. وفي قراءة: ﴿أَمَّرْنَا﴾[151].

بالتشديد أي: جعلناهم أمراء. والترف وإن كان كثرة المال  والسلطان من أسبابه، إلا أنه حالة نفسية ترفض الاستقامة على منهج الله وليس كل ثراء ترفاً[152].

إن سياسة الصّدِّيق في حربه للفواحش حَرِيُّ بحكّام المسلمين أن يقتدوا بها، فالحاكم التقي الذكي العادل هو الذي يرَبي أمته على الأخلاق القويمة لأنه حينئذٍ سيقود شعباً أحسّ طعم الآدمية، وجرى في عروقه دم الإنسانية .. وأما إن سُلب الحاكم الذكاء، وصار من الأغبياء، أشاع الفاحشة في قومه وعمل على حمايتها بالقوة والقانون، وحارب القيم والأخلاق الحميدة، ودفع بقومه إلى مستنقعات الرذيلة، ليصبحوا كالحيوانات الضالة والقطعان الهائمة لا همّ لها إلا المتاع والزينة الخادعة، فيصبحوا بعد ذلك أقزاماً، قد ودّعوا الرجولة والشهامة[153].

ويصدق فيهم قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ (النحل، آية: 112).

9 ـ رئيس الدولة وتطبيق الشريعة:

قال أبو بكر رضي الله عنه: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم»[154].

فمصدر التشريع عند الصّدِّيق:

أ ـ القرآن الكريم:

قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء، آية: 105).

وهو المصدر الأول الذي يشتمل على جميع الأحكام الشرعية التي تتعلق بشؤون الحياة كما يتضمن مبادئ أساسية وأحكاماً قاطعة لإصلاح كل شعبة من شعب الحياة، كما بيّن القرآن الكريم للمسلمين كل ما يحتاجون إليه من أسس تقوم عليها دولتهم.

ب ـ السنة المطهرة:

هي المصدر الثاني الذي يستمد منه الدستور الإسلامي أصوله، ومن خلالها يمكن معرفة الصيغ التنفيذية والتطبيقية لأحكام القرآن[155].

إن دولة الصّدِّيق خضعت للشريعة وأصبحت سيادة الشريعة الإسلامية فيها فوق كل تشريع وفوق كل قانون، وأعطت لنا صورة مضيئة مشرقة على أن الدولة الإسلامية دولة شريعة خاضعة بكل أجهزتها لأحكام الشريعة، والحاكم فيها مقيد بأحكامها لا يتقدم ولا يتأخر عنها[156].

ففي دولة الصّدِّيق وفي مجتمع الصحابة الشريعة فوق الجميع، يخضع لها الحاكم والمحكوم، ولهذا قيد الصّدِّيق طاعته التي طلبها من الأمة بطاعة الله ورسوله، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف»[157]، والحاكم له على رعيته حق السمع والطاعة، ولكن في حدود طاعته هو لله ورسوله، فإن عصى الله ورسوله ـ بتعطيل شيء من شرع الله ـ فلا طاعة له على الناس.

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (النساء، آية: 59).

وظاهر من البناء اللغوي للآية أن الطاعة لله مطلقة، كذلك الطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم ولكن ليست كذلك الطاعة لأولي الأمر، ولو قال تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم، لَوَجَبت طاعتهم مطلقاً كطاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الله جلَّ شأنه لم يقل ذلك، وإنّما عطف طاعة أولي الأمر على طاعة الله والرسول بدون تكرار الأمر ﴿وَأَطِيعُواْ﴾ لتظل طاعتهم مقرونة دائماً بحدود ما أنزل الله.

وهكذا فهِم الخليفة الأول رضي الله عنه حين قال للأمة: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم».

فهذه هي حدود الأمر في الإسلام، فلا يتصور أحد أن يكون لولي الأمر حق مخالفة الله ورسوله والله يقول: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ (الأحزاب، آية: 36).

فليس للحاكم أن يتصرف في الشريعة بالإبطال أو التعديل أو الاستبدال، لأن هذا الحق ليس لأحد على الإطلاق، لا الحاكم ولا المحكوم، ومحك الإيمان الذي بيّنه الله في كتابه المنزل هو التحاكم إلى شرع الله أو الإعراض عنه، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور، الآيات: 47 ـ 51).

فهؤلاء يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ ثم يزيدون على ذلك فيزعمون أنهم مطيعون لله ورسوله والله يقول عنهم ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ فينفي عنهم ما زعموه من دعوى الإيمان، ويبيِّن أن السبب في نفي الإيمان عنهم أنهم إذا دعوا إلى شريعة الله أعرضوا عنها، إلا حين يكون لهم مصلحة ذاتية في تطبيقها. ويبيّن الله تعالى موقف المؤمنين الحقيقيين إذا دعوا إلى شريعة الله فإنهم على الفور يقولون سمعنا وأطعنا، بصرف النظر عما يصيب ذواتهم من تطبيقها، إنما هي الطاعة المطلقة لله ورسوله، هي صفة المؤمنين، وهي سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة[158].

إن مدار العقد بين الرئيس والمواطنين في الدولة الحديثة المسلمة على كتاب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يختص الرئيس بحفظ شرع الله دون الناس، بل حفظ دين الله موكل إلى جميع المؤمنين، وهو ما كان مفهوماً في العهد الأول قبل أن يطول الأمد فيُنسى العهد، ويمكن أن نجتهد بدورنا في كتابة ميثاق يجعل أولى نبوذه كون الشريعة مصدر التشريع وأن كل قانون يخالفها يعد باطلاً، فالبيعة عقد مؤسس لشريعة الحكم، كما أنه عن رضى وقبول من الأمة، وفيه تحدد صلاحيات الحاكم، وحقوق المحكومين، والمرجع شرع الله حتى تكون حياة المسلمين بالإسلام وعلى الإسلام وللإسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله[159].

10 ـ إقرار مشروع توثيق دستور الأمة:

إن دستور الدولة الإسلامية هو القرآن الكريم، ومعه السنة النبوية، شارحة ومفصلة وموضحة له، وكان القرآن الكريم في بداية الأمر يكتب على الجلود والألواح وجريد النخل التي توزعت في بيوت الصحابة، وقد مرّ جمع القرآن الكريم من عهد النبوة إلى خلافة أبي بكر بمراحل من أهمها:

أ ـ جمع القرآن الكريم كتابة من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وردت لفظ “الجمع” بمعنى:”الحفظ مع دقة الترتيب” عدة مرات في كتاب الله وذلك من مثل قوله تعالى مخاطباً خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَاجَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة، الآيات: 16 ـ 19).

كما وردت لفظة “الجمع” بمعنى:”الكتابة والتدوين” والمعنى الأول آتاه الله تعالى ـ لخاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم ـ ولعدد غير قليل من صحابته الكرام وممن تابعهم من الصالحين إلى اليوم وحتى يوم الدين، وهؤلاء تدارسوا القرآن الكريم ولا يزالون يتدارسونه ويستظهرونه ليتمكنوا من القراءة به في الصلوات المكتوبة وفي النوافل وفي الاستشهاد. وأما جمع القرآن الكريم بمعنى تدوينه كتابة فقد جمع كتابة من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن جميع الأحاديث الواردة في هذا الشأن تتفق على ترتيب آيات القرآن، حسبما عليه المصحف الآن إنما هو ترتيب توقيفي، لم يجتهد فيه رسول الله ولا أحد من الصحابة في عهده أو من بعده وإنما كان يتلقى ترتيبها بعضها إلى جانب بعض، وحياً من عند الله بواسطة جبريل.

روى أحمد بإسناده عن عثمان بن أبي العاص، قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ شخص ببصره ثم صوّبه، قال:«أتاني جبريل فأمرني أن ضع هذه الآية هذا الموضع من السورة: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى ﴾»(النحل، آية: 90)[160].

إن من مظاهر عناية الله بالقرآن الكريم وحفظه ما تمّ على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته من حفظ القرآن في صدورهم وكتابة في الصُحف. وقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته في ذلك أرقى مناهج التوثيق. ذلك أن القرآن الكريم نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منَّجماً في ثلاث وعشرين سنة حسب الحوادث ومقتضى الحال، وكانت السورة تُدَوّن ساعة نُزولها؛ إذ كان المصطفى صلى الله عليه وسلم إذا ما نزلت عليه آية أو آيات قال: «ضعوها في مكان كذا …وكذا»[161].

ولهذا اتفق العلماء على أن جمع القرآن توقيفي، بمعنى أن ترتيبه بهذه الطريقة التي نراه عليها اليوم في المصاحف إنما هو بأمر الله ووحي من الله[162].

وما يقال عن ترتيب آيات القرآن هو الذي يقوله إجماع المؤرخين والمحدّثين والباحثين عن ترتيب السور ووضع البسملة في رؤوسها، قال القاضي أبو بكر بن الطبيب رواية عن مكي رحمه الله في تفسير سورة “براءة” إن ترتيب الآيات من السور، ووضع البسملة  في رؤوسها هو توقيف من الله عز وجل، ولما لم يؤمر بذلك في أول سورة براءة تركت بلا بسملة[163].

هذا عن ترتيب آيات القرآن وسوره، أما كتابته فمن المعلوم أولاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، أجمع على ذلك عامة المؤرخين وكل المشركين الذين كانوا على عهد رسول الله، لذا فقد كان يعهد بكتابة ما يتنزل عليه من القرآن إلى أشخاص من الصحابة بأعيانهم كانوا يُسمون كتاب الوحي، وأشهرهم الخلفاء الأربعة وأُبي ابن كعب وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، والزبير بن العوام، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة، وقد كانوا يكتبون ما يتنزل من القرآن تباعاً حسب الترتيب الذي يأتي به جبريل فيما تيسر لهم، من العظام الموقفة والمخصصة لذلك وألواح الحجارة الرقيقة والجلود، وقد كانوا يضعون ما يكتبونه في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يكتبون لأنفسهم إن شاؤوا صوراً عنها يحفظونها لديهم، وقد كان من الصحابة من يتتبع ما ينزل من آيات القرآن وتتبع ترتيبها فيحفظها عن ظهر قلب حتى كان فيهم من حفظ القرآن كله، فمن المشاهير أُبيّ بن كعب وزيد بن ثابت وآخرون[164].

وظل الصحابة يعكفون على حفظ القرآن غيباً، حتى ارتفعت نسبة الحفاظ منهم إلى عدد لا يحصى. يتضح لك من هذا الذي ذكرناه أن القرآن وعاه الأوائل من الصحابة وبلغوه إلى من بعدهم بطريقتين اثنتين:

أحدهما: الكتابة التي كانت تتم للقرآن بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لأشخاص بأعيانهم وكَّلَ إليهم هذا الأمر ولم ينتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه إلا والقرآن مكتوب كله في بيته.

الثانية: حفظه في الصدور عن طريق التلقي الشفهي من كبار قراء الصحابة وحفّاظهم الذين تلقوه بدورهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أقرهم على كيفية النطق والأداء[165].

وكان كل ما يكتب من آيات وسور القرآن الكريم بعد نزول الوحي بها مباشرة يُحفظ في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع استنساخ كُتّاب الوحي نُسَخاً لأنفسهم من جميع ما أُمْلِي على كل منهم. ولذلك تم جمع القرآن الكريم كتابة وحفظاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم[166].

وثبت أن جبريل عليه السلام كان يعارض الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن مرة واحدة في كل سنة ثم عارضه في السنة التي توفي فيها صلى الله عليه وسلم مرتين[167].

ومعنى هذا أن القرآن الكريم كان في صورته التامة في هذه السنة التي تمّ عرضه فيها مرتان، ولذلك شواهد كثيرة ذكرها العلماء من أظهرها ما أورده البغوي عن أبي عبد الرحمٰن السلمي أنه قال: كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرأون القراءة العامة فيه، وهي القراءة التي قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه. وكان زيد قد شهد العرضة الأخيرة وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده الصّدِّيق في جمعه أولاً. وولاَّه عثمان كتابة المصحف. على أن القرآن رغم ذلك لم يجمع بين دفتين في مصحف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لضيق الوقت بين آخر آية نزلت من القرآن وبين وفاته[168].

ب ـ جمع القرآن الكريم في مصحف واحد على عهد الخليفة الأول أبي بكر الصّدِّيق رضي الله عنه:

كان ضمن شهداء المسلمين في حرب مسيلمة الكذّاب في اليمامة كثير من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر رضي الله عنه بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بجمع القرآن حيث جمع من الرقاع والعظام والسعف ومن صدور الرجال[169]، وأسند أبو بكر الصّدِّيق رضي الله عنه هذا العمل العظيم والمشروع الحضاري الضخم إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنه. يروي زيد بن ثابت رضي الله عنه فيقول: بعث إليَّ أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ[170] يوم اليَمامة بقُراءِ القرآن… وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف أفعل شيئاَ لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم[171]؟

فقال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبوبكر: وإنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتَبّع القرآن فاجمعه، قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل عليّ مما كلّفني من جمع القرآن، فتتبعت القرآن من العسب[172]، واللخاف[173] وصدور الرجال والرقاع[174]، والأكتاف[175]، قال: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة، آية : 128) حتى خاتمة براءة. وكانت الصحف عند أبي بكر في حياته حتى توفاه الله، ثم عند عمر في حياته حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم[176].

وعلَّق البغوي على هذا الحديث فقال: فيه البيان الواضح أن الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم من غير أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه شيئاً. والذي حملهم على جمعه ما جاء في الحديث وهو أنه كان مفرقاً في العسب واللخاف وصدور الرجال، فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته، ففزعوا فيه إلى خليفة رسول الله ودعوه إلى جمعه، فرأى في ذلك رأيهم فأمر بجمعه في موضع واحد باتفاق من جميعهم، فكتبوه كما سمعوا من رسول الله من غير أن قدموا شيئاً أو أخروا، أو وضعوا له ترتيباً لم يأخذوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقن أصحابه ويعلمهم ما ينزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل صلوات الله عليه إياه على ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في السور التي يذكر فيها كذا[177].

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «يرحم الله أبا بكر هو أول من جمع بين  اللوحين»[178].

وقد اختار أبوبكر رضي الله عنه زيد بن ثابت لهذه المهمة العظيمة وذلك لأنه رأى فيه المقومات الأساسية للقيام بها وهي:

ـ كونه شاباً، حيث كان عمره 21 سنة، فيكون أنشط لما يطلب منه.

ـ كونه أكثر تأهيلاً، فيكون أوعى له، إذ من وهبه الله عقلاً راجحاً فقد يسر له سبل الخير.

ـ كونه ثقة، فليس هو موضعاً للتهمة، فيكون عمله مقبولاً وتركن إليه النفس، ويطمئن إليه القلب.

ـ كونه كاتباً للوحي، فهو بذلك ذو خبرة سابقة في هذا الأمر وممارسة عملية له فليس غريباً عن هذا العمل، ولا دخيلاً عليه[179].

هذه الصفات الجليلة جعلت الصّدِّيق يُرشح زيداً لجمع القرآن، فكان به جديراً، وبالقيام به خبيراً.

ـ ويضاف لذلك أنه أحد الصحابة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع الإتقان، وأما الطريقة التي اتبعها زيد في جمع القرآن فكان لا يثبت شيئاً من القرآن إلا إذا كان مكتوباً بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ومحفوظاً من الصحابة. فكان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، خشية أن يكون في الحفظ خطأ أو وهم، وأيضاً لم يقبل من أحد شيئاً جاء به إلا إذا أتى معه شاهدان يشهدان أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه من الوجوه التي نزل بها القرآن[180].

وعلى هذا المنهج استمر زيد رضي الله عنه في جمع القرآن حذراً متثبتاً مبالغاً في الدقة والتحري[181].

إن زيداً اتبع طريقة في الجمع نستطيع أن نقول عنها في غير تردد أنها طريقة فذة في تاريخ الصناعة العقلية الإنسانية، وأنها طريقة التحقيق العلمي المألوف في العصر الحديث وأن الصحابي الجليل قد اتبع هذه الطريقة بدقة دونها كل دقة، وأن هذه الدقة في جمع القرآن متصلة بإيمان زيد بالله، فالقرآن كلام الله جل شأنه فكل تهاون في أمره أو إغفال للدقة في جمعه وِزر. ما كان أحرص زيداً في حسن إسلامه وجميل صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتنزه عنه.

إن ما قام به زيد بن ثابت رضي الله عنه بتكليف من خليفة المسلمين أبي بكر الصّدِّيق رضي الله عنه ومشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومعاونة عمر رضي الله عنه وأُبيّ بن كعب ومشاركة جمهور الصحابة ممن كان يحفظ القرآن ويكتبه[182]، وإقرار جمع من المهاجرين والأنصار مظهر من مظاهر العناية الربانية بحفظ القرآن الكريم وتوفيق من الله للأمة الإسلامية وترشيد منه لمسيرتها ويتضمن ذلك ـ أيضاً ـ كما قال أبو زهرة: حقيقتين مهمتين تدلان على إجماع الأمة كلها على حماية القرآن الكريم من التحريف والتغيير والتبديل، وأنه مصون بعناية الله سبحانه وتعالى، ومحفوظ بحفظه وإلهام المؤمنين بالقيام عليه وحياطته[183].

الأولى:أن عمل زيد رضي الله عنه لم يكن كتابة مبتدأة ولكنه إعادة مكتوب[184].

فقد كتب القرآن كله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعمل زيد الابتدائي هو البحث عن الرقاع والعظام التي كان قد كتب عليها والتأكد من سلامتها بأمرين: بشهادة اثنين على الرقعة التي فيها الآية والآيتان أو الآيات، وبحفظ زيد نفسه، وبالحافظين من الصحابة، وقد كانوا الجمع الغفير والعدد الكبير فما كان لأحد أن يقول: إن زيداً كتب من غير أصل مادي قائم، بل إنه أخذ من أصل قائم ثابت مادي وبذلك تقرر ما كتبه زيد هو تماماً ما كتب في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس كتابة زيد، بل ما كتب في عصره عليه الصلاة والسلام وأملاه وما حفظه الروح القدس.

 

الثانية: أن عمل زيد لم يكن عملاً أحادياً، بل كان عملاً جماعياً من مشيخة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد طلب أبوبكر إلى كل من عنده شيء مكتوب أن يجيء به إلى زيد، وإلى كل من يحفظ القرآن أن يدلي إليه بما يحفظه، واجتمع لزيد من الرقاع، والعظام وجريد النخل ورقيق الحجارة وكل ما كتب أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم. وعند ذلك بدأ زيد يرتبه ويوازنه ويستشهد عليه، ولا يثبت آية إلا إذا اطمأن إلى إثباتها، كما أوحيت إلى رسول الله[185]. واستمر الأمر كذلك حتى إذا ما أتم زيد ما كتب تذاكره الناس وتعرفوه وأقروه، فكان المكتوب متواتراً بالكتاب ومتواتراً بالحفظ في الصدور وما تم كتاب في الوجود غير القرآن[186].

وإنها لعناية من الرحمٰن خاصة بهذا القرآن العظيم[187]، وكان هذا الفعل من أبي بكر في جمعه للقرآن الكريم بين دفتين من فقه المصالح المرسلة، الذي ينظر إلى مصالح الأمة العليا في باب الاجتهاد وبذلك تم توثيق أهم مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، كمرجعية عليا للدولة.

11 ـ تحديد مدة الرئاسة:

لا مانع شرعاً من إضافة شرط يحدد مدة ولاية الرئاسة، حيث إن روح النظام الإسلامي لا تتنافى إطلاقاً مع توقيت الرئاسة بمدة زمنية محددة إذا ما تضمن عقد الرئاسة ذلك وتم النص على ذلك في الدستور لأن:

أ ـ التوقيت لا ينافي طبيعة العقد:

إن عقد الرئاسة من العقود الرضائية، يصح بما يصح به العقود، ويبطل بما تبطل به، وطرفا العقد هما الرئيس والشعب، ولكل منهما حقوق وواجبات مقررة من قبل الشرع ولا يوجد ما يمنع أن يعرض أحد الأطراف شروطاً أخرى بشرط ألا تخالف النظام العام الإسلامي[188].

فالعاقدين يمكنهم أن يحددوا نطاق عقدهم فيما لا يحل حراماً أو يحرم حلالاً، ويجوز للمواطنين أن يشترطوا فترة محددة للبيعة، فهذا لا يخالف الشريعة الإسلامية نصًّا أو روحاً، فالأصل في الأشياء الإباحة إلا أن يأتي دليل شرعي يحرمه[189]، ويجدر بنا أن نذكر أنه إذا وضع المسلمون شرط توقيت فترة الرئاسة وقَبِل الرئيس هذا الشرط وتم تنصيبه على هذا الأساس، فعليه الالتزام به مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل ، آية : 91).

ـ وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف ، آية : 2 ، 3).

ـ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُم سُوءُ الدَّارِ﴾ (الرعد ، آية : 25).

ـ وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له»[190].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»[191].

ب ـ وهذا الشرط يحقق مقاصد الشريعة ومصلحة المسلمين، حيث أنه سيسمح لهم بالآتي:

ـ بإمكانية تبادل السلطة في المجتمع الإسلامي بالطرق السلمية، مما يتفادى معه الثورات وحركات الخروج المسلح التي كان لها أسوأ الأثر على الشعوب.

ـ إن تطبيق هذا الشرط يمنح فرصة للشعب للقيام برقابة شعبية متجددة على رئيس الدولة، كما تسمح لهم بإبعاده عن السلطة واستبداله بالأصلح إذا حاد عن الطريق الذي يرتضيه للشعب.

ـ إن تحديد فترة زمنية للرئاسة يعتبر دافعاً للرئاسة لأجل معلوم، فيكون بذلك حافزاً له، فلا يستكين بأن مدة رئاسته وأعماله محسوبة وذلك بخلاف من يتولى الحكم مدى الحياة.

ـ إن تحديد مدة عقد الرئاسة يعطي للأمة الإسلامية الفرصة لاختيار الرئيس الأنسب لظروف وحاجات المجتمع في كل فترة من الفترات التي تمر بها الشعوب، ولتوضيح ذلك نقول: إن الولاية لها ركنان (القوة والأمانة)، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص ، آية : 26). ولما كان اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، فعلى المؤمنين اختيار الأصلح من حيث وقائع الظروف المعاصرة، فإذا كان يهددهم عدو جبار فليختار في هذه الفترة المرشح الأعظم قوة ومهابة عند الأعداء من الأعظم أمانة، وبذلك تعطى فترة الرئاسة المحددة للمواطنين القدرة على اختيار الرئيس الذي يحقق لهم نفعاً أكثر ومصلحة أكثر في وقت بعينه[192].

جـ ـ العلماء القائلون بتحديد مدة الرئاسة:

ـ قال الدكتور عبد الرزاق السنهوري: هناك سؤال آخر: هل من جوهر نظام الخلافة نفسه أن يكون منصب الخلافة لمدى الحياة، أو غير محددة المدة؟ وأن الموت وحده إذا لم يتوافر أي من الأسباب الأخرى هو الذي ينهي ولاية الخلافة؟ وبعبارة أخرى هي يمكن أن يعين الرئيس لمدة محددة معينة وأن تنتهي ولايته تلقائياً بحكم القانون عند انتهاء هذه الفترة؟

وللسؤال أيضاً أهمية فيما يتعلق بشرعية النظم الجمهورية من وجهة نظر الفقه الإسلامي.. ورغم أن مثل هذه الحالة لم تواجه من قبل نظرياً أو عملياً في التاريخ الإسلامي، ورغم أن المفهوم التقليدي للخلافة أن تنصيب الخليفة يكون لمدى الحياة، ولكنه لا يوجد حسب رأينا في مبادىء الفقه الإسلامي أي مانع من تحديد مدة الولاية[193].

ـ قال توفيق الشاوي: الذي اعتبر أن الخلافة عقد بيع حر، فتستمر الخلافة مدى الحياة إذا لم يتضمن العقد تحديداً لمدة الولاية، وإلا فإنه يمكن أن يتضمن العقد شروطاً على سلطة الحاكم بتحديد مدة ولايته[194].

ـ قال القرضاوي: بجواز التحديد، ومحمد أسد وهو يرى أنه لا ضير أن تكون مدة الإمارة محدودة بزمن معين طالما أن الشريعة لم تنص على هذه المسألة بشيء[195].

وقال القرضاوي: أما الاحتجاج بالإجماع العملي من المسلمين على عدم تأقيت مدة الأمير، ففي هذا الاحتجاج شيء من المغالطة، فالإجماع الذي حصل يفيد شرعية استمرار مدة الأمير مدى الحياة.. أما الأمر الآخر وهو التحديد أو التأقيت فلم يبحثوا فيه، بل هو مسكوت عنه، وقد قالوا: لا ينسب إلى ساكت قول[196].

ـ وقال الأستاذ محمود المرداوي: ومما لا شك فيه أن بيعة المسلمين لخلفائهم لم يشترط فيها تحديد زمني لمدة خلافة كل منهم، ولكن عدم اشتراطهم ذلك لا يعني حرمة الاشتراط، فليس ثمة نصوص صريحة توجب أن يكون الخليفة في منصبه إلى وفاته، ولئن اعتبر ذلك إجماعاً من الصحابة، فإن فعل الصحابي غير ملزم من جهة، ومن جهة أخرى فإجماع الأمة على أمر في زمن يلغيه إجماع آخر في زمن آخر إن كانت مصلحة الأمة في ذلك.

ومما لا شك فيه أن النظم الغربية والديمقراطية الغربية على سبيل التحديد أكيس النظم المعمول بها الآن من حيث ضبطها للحاكم وتقييدها لهم، فلا يقدر على ظلم أو جور، فإن ظلم في شيء فما أسهل أن يعزل بعد محاكمته، وإن أساء أو أخطأ فما أسهل ألا يعاد انتخابه مرة أخرى، وحقاً أنها من فضائل الروم أنهم أمنع الناس من ظلم الملوك[197].

وروى مسلم في صحيحه قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تقوم الساعة والرّوم أكثر الناس»، فقال له عمرو: أبصر ما تقول، قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لئن قلت ذلك أن فيهم لخصالاً أربعاً: أنهم لأحلم الناس عند فتنة.

وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة.

وأوشكهم كرة بعد فرة.

وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك[198].

فمنعة الأمة أي أمة من ظلم الملوك أمر استحسنه السلف حتى الملوك أنفسهم، ولا تكون المنعة في الشعب بالفطرة، ولكنها بالنظم التي تصطلح عليها الشعوب وتقيد حكامها بها، وتلزمهم بممارستها، فيحكمون الشعوب بموجب منهج وضعته لهم، فليس لهم أن يخالفوه ولعل ذلك هو مفهوم حكم الشعب بالشعب. وإن من خصائص هذا الحكم تحديد فترة حكم الحاكم بسنوات معينة متفق على تحديدها، مما يجعل الرئيس مقيداً بمراقبة الشعب له، وبرغبته في إرضاء الشعب ليعاد انتخابه فترة أخرى مدفوعاً بإحساسه بكرامته وحسن سمعته وسمعة الحزب الذي رشحه وأوصله إلى هذا المنصب[199].

ـ وقال ضياء الريس: إن الإمام يبقى ما بقي صالحاً، ثم إذا تغير يجب أن يزال ويبايع غيره، وهذا شيء غير التحديد الزمني، على أننا نقول أيضاً إنه ما دام علماء الإسلام قد قرروا أن الإمامة أو الدولة تقام بمقتضى عقد وقرروا حرية التعاقد، فقياساً على ما ساقوا من حديث بالنسبة لعقود أخرى يكون من حق طرفي العقد أن يضيفا من الشروط ما يريانه ملائماً، ما دامت الشروط لا تتنافى مع طبيعة العقد وما دامت تحقق المصلحة العامة، وبناء على ذلك لا يكون هناك مانع من أن تشترط الأمة أن يكون العقد محدداً بأجل زمني قابل للتجديد أو غير قابل[200].

د ـ كيف تحدد مدة الرئاسة؟

تكلم المجوزون لتحديد الرئاسة عن كيفية هذا التحديد ومدته فقالوا إن مدة الرئاسة ينبغي أن لا يكون هناك إفراط في طولها أو في قصرها حتى لا تكون مدعاة لإثارة الفتن والقلاقل، وتم تحديدها بين خمس إلى عشر سنوات[201]، وكذلك اختار حسن الترابي أن تحدد مدة الولاية بأجل مسمى وألا يقصر الأجل فيؤدي ذلك إلى  الاضطراب في سياسة البلاد، وأن لا تطول ليمهل الرئيس للآخرين مجال التداول على السلطة والاستفادة من خبراتهم التي تحتاجها الأمة، والأفضل أن يتوسط الأجل سنوات معدودة نحو عشر سنوات تقريباً قياساً على إمارة الرسول صلى الله عليه وسلم وإجارة موسى عند شعيب عليهما السلام[202]، فالمطلوب وجود تباعد زمني ما بين تجديد الولايتين لأن تقارب المدة تحصل منه مفاسد كبيرة[203].

إن نصوص القرآن والسنة ليس فيها ما يدل على منع التحديد أو على أن الرئاسة منصب يتولاه مدى الحياة، فهذه الأمور من التفصيلات المنظمة للإمامة، والقرآن الكريم لم يهتم بتفصيل هذه الأمور بقدر ما اهتم بتقرير المبادئ العامة لها، مما يدل على أنها من المتغيرات بحسب الزمان ومكان وثقافة الشعوب، وتطور وعيها السياسي، ونظرتها في العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

12ـ مدنية دولة الصّدِّيق:

كان الإجماع على بيعة أبي بكر انتصاراً لمبدأ الشورى على العصبيات الوراثية التي كانت تسود في الجاهلية، وبهذا القرار الإجماعي دخل الإسلام مرحلة جديدة إذ أنشأ الصحابة دولة مدنية لا يرأسها نبي يتلقى الوحي، كما كان الأمر في حياة الرسول، بل يتولاها رجل اختاروه بالإجماع بعد تشاور وتنافس وخلاف، فأصبحت الخلافة بذلك حكومة مدنية بخلاف حكومة الرسول صلى الله عليه وسلم ذات الطابع   الديني الموجه الإلهي. ولكن أبا بكر اختار أن يسمى خليفة الرسول ليؤكد عزمه على السير على المنهج الذي وضعه النبي قبل وفاته في الشؤون الدينية والدنيوية، وبعده جاء عمر واتخذ لقب أمير المؤمنين، لتأكيد صفته كممثل للأمة وجماعة المسلمين[204]. لقد كانت دولة الصّدِّيق مدنية شورية، لأن من يترأس الدولة لم تكن سلطته مطلقة ويكفي ذلك أن ترجع إلى خطبة أبي بكر، بعد تولي الخلافة حيث قال: «إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوِّموني» ثم أضاف: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيتهما فلا طاعة لي عليكم». ومعنى ذلك أنه أعطى للأمة حق الرقابة على عمله ومحاسبته، فضلاً عن أنها هي التي اختارته بواسطة من يمثلونها، وهذان المبدآن هما أساس النظام الديمقراطي في العصر الحديث، إن حكومة الصّدِّيق قامت على الأصول الشورية الثابتة وروحها التي هي أهم من الأشكال المتغيرة والقابلة للتطور ومن هذه الأصول العامة الثابتة ما يلي:

ـ أنه كان يرى أنه مسؤول عن المال العام.

ـ ومسؤول عن أيّ خطأ أو انحراف عن العدل.

ـ وكان يتشاور مع الناس ويخضع لرقابتهم.

ـ وكان يلتزم بأحكام الشريعة والعدالة.

ـ وكان يتولى القضاء بنفسه أو يعين قضاة يتولون هذه المهمة، وسار الخلفاء بعد ذلك على نفس النهج[205].

كانت دولة الصّدِّيق قائمة على الشورى والمواطنة وحقوق الإنسان والحريات العامة، وحقوق المرأة …إلخ المستمدة من مقاصد القرآن الكريم والتوجيهات النبوية الرشيدة.

إن دولة الصّدِّيق الإسلامية مدنية بامتياز وليست دولة دينية فهناك فرق كبير بين الدولة الإسلامية أي الدولة التي تقوم على أساس الإسلام والدولة الدينية التي عرفها الغرب النصراني في العصور الوسطى، وعلى ذلك أن هناك خلطاً كبيراً بين ما هو إسلامي وما هو ديني، فكثيرون يحسبون أن كل ما هو إسلامي يكون دينياً والواقع أن الإسلام أوسع وأكبر من كلمة دين. حتى إن علماء الأصول المسلمين جعلوا “الدين” إحدى الضرورات الخمس، أو الست التي جاءت الشريعة لحفظها وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وزاد بعضهم العرض. أضرب مثلاً موضحاً، نحن ندعو إلى تربية إسلامية متكاملة، وهذه التربية تشمل أنواعاً من التربية تبلغ بضعة عشر نوعاً، إحداها التربية الدينية، إلى جوار التربية العقلية والجسمية والخلقية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية والأدبية والمهنية والفنية والجنسية.. ألخ.

فالتربية الدينية شعبة واحدة من شعب التربية الإسلامية الكثيرة، فالخطأ كل الخطأ الظن بأن الدولة الإسلامية التي ـ قادها الصّدِّيق ـ دولة دينية، إنما الدولة الإسلامية “دولة مدنية” تقوم على أساس الاختيار والبيعة والشورى، ومسؤولية الحاكم أمام الأمة، وحق كل فرد في الرعية أن ينصح لهذا الحاكم، ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، بل يعتبر الإسلام هذا واجباً كفائياً على المسلمين، ويصبح فرض عين إذا قدر عليه وعجز غيره عنه أو جبن عن أدائه.

إن الحاكم في الإسلام مقيد غير مطلق، فهناك شريعة تحكمه، وقيم توجهه، وأحكام تقيده، وهي أحكام لم يضعها هو ولا حزبه أو حاشيته، بل وضعها له ولغيره “رب الناس، ملك الناس، إلٰه الناس” ولا يستطيع هو ولا غيره من الناس، أن يلغوا هذه الأحكام أو يجمدوها، فلا ملك ولا رئيس ولا برلمان ولا حكومة ولا مجلس شورى، ولا لجنة مركزية ولا مؤتمر للشعب، ولا أيِّ قوة في الأرض تملك أن تغير من أحكام الله الثابتة[206].

إن عهد الخلافة الراشدة يعتبر مرجعية كبرى في الفقه السياسي وبناء الدول وازدهار الحضارات، لذلك يجب دراسته بكل دقة، لأنه يقدم لنا السوابق التاريخية التي تعتبر حجة في فقه “الرئاسة” المنضبطة بمقاصد القرآن الكريم والسنة النبوية.

وإذا كان البريطانيون يعتبرون “الماجنا كارتا” الميثاق الأساسي لحرياتهم والفرنسيون يعتبرون إعلان حقوق الإنسان ميثاقهم، فإن المسلمين يعتبرون حكومة الخلفاء الراشدين الوثيقة الأساسية لحرياتهم السياسية، وهي ميثاق عملي، وليست مجرد بيان قولي[207].

أما البيان القولي فإننا نجده في خطبة الوداع التي ألقاها الرسول الكريم في حجة الوداع، ويكفي أن نذكر منها المقتطفات الآتية:

«أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا.. استوصوا بالنساء خيراً.. لقد تركت فيكم ما إن أطعتموه فلن تضلوا بعده أبداً كتاب الله وسنة رسوله.. لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ولا فضل لأبيض على أحمر ولا أحمر على أبيض إلا بالتقوى»[208].

13 ـ تحديد مسؤولية الحاكم “العقد الاجتماعي”:

فالحاكم مسؤول بين يدي الله وبين الناس، وهو أجير لهم وعامل لديهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، وأبوبكر رضي الله عنه يقول عندما وُلّي الأمر وصعد المنبر: «أيها الناس كنت أحترف لعيالي فأكتسب قوتهم، فأنا الآن أحترف لكم، فارضوا لي من بيت مالكم».

وهو بهذا قد فسر “نظرية العقد الاجتماعي” أفضل وأعدل تفسير، بل هو وضع، فما هو إلا تعاقد بين الأمة والحاكم على رعاية المصالح العامة، فإن أحسن فله أجره وإن أساء فعليه عقابه[209]، وأما عن مسؤولية الحاكم فإن الأصل فيها في النظام الإسلامي أن المسؤول فيها هو رئيس الدولة كائناً من كان، له أن يتصرف، وعليه أن يقدم حساب تصرفه للأمة، فإن أحسن أعانته وإن أساء قومته، ولا مانع في الإسلام من أن يفوض رئيس الدولة غيره في مباشرة هذه السلطة وتحمل هذه المسؤولية، كما عرف في “وزارة التفويض” في كثير من العهود الإسلامية، ورخص الفقهاء المسلمون في ذلك وأجازوه ما دام فيه مصلحة، والقاعدة في مثل هذه الأمور رعاية المصلحة العامة، قال الماوردي في كتاب الأحكام السلطانية والوزارة على ضربين، وزارة تفويض، ووزارة تنفيذ[210].

ويمكن تلخيص المبادئ الأساسية التي تبنى عليها مسؤولية الحاكم فيما يلي:

ـ أن الحاكم هو أجير للأمة وعامل لديها ضمن حقوق وواجبات ينظمها الدستور والقانون.

ـ أن الحكم عبارة عن عقد اجتماعي بين الأمة والحاكم لرعاية مصالحها.

ـ أن البيعة بين الأمة والحاكم بيعة موقوتة.

ـ أن الحكم قائم على مبدأ الفصل بين السلطات.

ـ للحاكم أن يختار الكيفية المناسبة لممارسة صلاحياته إما بالتفويض أو بالتنفيذ المباشر أو حسب ما يقرر الدستور.

ـ أن يمارس الحاكم صلاحياته وسلطاته في ضوء مبدأ سيادة القانون[211].

 

المراجع:

[1] في النظام السياسي للدولة، محمد سليم الغواص، ص: 73.

[2] التاريخ الإسلامي للحميدي عبد العزيز (9/ 21).

[3] عصر الخلافة الراشدة أكرم العمري، ص: 40.

[4] المصدر نفسه.

[5] تمالأ: تشاور.

[6] الرجلان هما: عويمر بن ساعدة، ومعن بن عدي.

[7] الدافة: الجماعة تأتي من البادية إلى الحاضرة.

[8] أي عدد قليل.

[9] أي يخرجوننا من أمر الخلافة.

[10] أي: أعددت.

[11] على رسلك: على مَهْلك.

[12] الجذيل: تصغير جذل، وجذل: وهو عود ينصب للإبل الجربى، تحتك به من الجرب، فأراد أن يُستشفى برأيه كما كان تستشفى الإبل بالاحتكاك بذلك العود، والعذيق: تصغير عذق، والعَذق، النخلة نفسها فأينما مالت النخلة الكريمة بنوا من ناحيتها المائل بناء مرتفعاً يدعمها لكيلا تسقط، فذلك الترجيب ولا يرجب إلا كرام النخل، والترجيب: التعظيم، يقال: رجبت الرجل رجباً أي عظمته، وإنما صغرهما جذيل وعذيق على وجه المدح وإنما وصفهما بالكرم. شرح ابن بطال على البخاري.

[13] البخاري، رقم: 6830.

[14] يعني سعد بن عبادة الخزرجي رضي الله عنه.

[15] مسند أحمد (1/ 5) الخلافة والخلفاء، البهنساوي، ص: 50.

[16] الشعار: الثوب الذي على الجلد والدثار الثوب الذي فوقه.

[17] البخاري، ك المناقب، باب غزوة الطائف.

[18] البخاري، ك المناقب، باب حب الأنصار.

[19] البخاري ـ ك الإيمان، باب: علامة الإيمان حب الأنصار.

[20] مسند الإمام أحمد ـ مسند أبي سعيد الخدري.

[21] مسلم، ك الجهاد والسير ـ باب فتح مكة.

[22] صحيح ابن حبان، كتاب إخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة.

[23] التحليل السياسي، عبد الستار المرسومي (2/ 21).

[24] المصدر نفسه (2/ 22) البخاري، كتاب المناقب، باب مناقب الأنصار.

[25] التحليل السياسي (2/ 23).

[26] صحيح البخاري، الحديث رقم: 6830.

[27] المصدر نفسه.

[28] صحيح البخاري، الحديث رقم: 6830.

[29] الأعلام، خير الدين الزركلي (3/ 85).

[30] أسد الغابة في معرفة الصحابة ابن الأثير (2/ 441).

[31] التحليل السياسي (2/ 26).

[32] التحليل السياسي (2/ 27)، صحيح مسلم، كتاب: الجنائز، عبادة المرض.

[33] سنن أبي داود، كتاب الزكاة ـ باب: في فضل سقي الماء.

[34] الإبل الحوامل ذوات الألبان، التحليل السياسي (2/ 27).

[35] استخلاف أبي بكر، جمال عبد الهادي، ص: 50، 51، 53.

[36] الخلافة والخلفاء الراشدون سالم البهنساوي، ص: 48.

[37] المصدر نفسه، ص: 49.

[38] صحيح البخاري، كتاب التمني، رقم: 7244.

[39] مسند الإمام أحمد، رقم: 18 صحيح لغيره.

[40] الأنصار في العصر الراشدي، ص: 102.

[41] تاريخ الطبري (4/ 42).

[42] أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 109.

[43] سير أعلام النبلاء (1/ 277).

[44] الأنصار في العصر الراشدي، ص: 102، 103.

[45] التاريخ الإسلامي، عبد العزيز الحميدي (9/ 24).

[46] العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي، ص: 10.

[47] التاريخ الإسلامي (9/ 24).

[48] البخاري، كتاب: المغازي، باب قصة أهل نجران.

[49] التحليل السياسي (2/ 32).

[50] الدور السياسي للصفوة، د. السيد عمر (1/ 291).

[51] التحليل السياسي (2/ 32، 33).

[52] المرتضى، سير أبي الحسن على بن أبي طالب لأبي الحسن الندوي، ص: 65، 66.

[53] المصدر نفسه، ص: 67.

[54] صحيح البخاري، ك المحاربين، رقم: 6830.

[55] مسند أحمد (1/ 21) وصحح إسناده أحمد شاكر، رقم: 133.

[56] المستدرك (3/ 66) قال الحاكم: حديث صحيح وأقره الذهبي.

[57] الأنصار في العصر الراشدي، حامد الخليفة، ص: 108.

[58] الخلافة الراشدة للعمري، ص: 13.

[59] الأنصار في العصر الراشدي، ص: 108.

[60] الإسلام وأصول الحكم، محمد عمارة، ص: 71 ـ 74.

[61] الأنصار في العصر الراشدي، ص: 109.

[62] أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 108.

[63] البخاري، ك الأحكام، رقم: 7140.

[64] مسلم، ك الإمارة، رقم: 1821.

[65] البخاري، ك الأحكام، رقم: 7140.

[66] مسلم، ك الإمارة، رقم: 1818.

[67] الفتح الرباني للساعاتي، باب الخلافة ج5 (23/ 65).

[68] المصنف لأبي شيبة (5/ 544).

[69] الأنصار في العصر الراشدي، ص: 111.

[70] المصدر نفسه، ص: 111.

[71] أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 111.

[72] مصنف ابن أبي شيبة (5/ 544).

[73] أغيلمة: تصغير أغلمة والمفرد: غلام وهو حين يولد إلى أن يثيب.

[74] البخاري، ك الفتن، رقم: 7058.

[75] دلائل النبوة البيقهي (6/ 464) صحيح ابن حبان، رقم: 6713.

[76] البخاري، ك الفتن، رقم: 7056.

[77] الأنصار في العصر الراشدي، ص: 116.

[78] المصدر نفسه، ص: 116.

[79] دراسات في عهد النبوة لعبد الرحمٰن الشجاع، ص: 256.

[80] أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 121.

[81] فقه الشورى والاستشارة، ص: 140 للشاوي.

[82] المصدر نفسه، ص: 142.

[83] عصر الخلفاء الراشدين، د. فتحية النبراوي، ص: 30.

[84] البداية والنهاية (6/ 305 ـ 306) إسناده صحيح.

[85] صحيح البخاري، ك الأحكام، رقم: 7219.

[86] التاريخ الإسلامي (9/ 28).

[87] المقدمة لابن خلدون، ص:  209.

[88] جامع الأصول في أحاديث الرسول (1/ 252).

[89] نظام الحكم في الإسلام، عارف أبو عيد، ص: 250.

[90] مسلم، ك الإمارة، رقم: 1852.

[91] نظام الحكم في الإسلام، ص: 250.

[92] مسلم، ك الإمارة، رقم: 1852.

[93] نظام الحكم في الإسلام، ص: 253.

[94] المصدر نفسه.

[95] فقه الشورى، د. الشاوي، ص: 439.

[96] نظام الحكم في الإٍسلام، ص: 152 ـ 153.

[97] أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 125.

[98] الحرية أو الطوفان، د. حاكم المطيري، ص: 21 إلى 45.

[99] مسلم في باب الأدب، رقم: 46.

[100] صحيح مسلم (3/ 1999).

[101] الحريات العامة (1/ 261).

[102] النظريات السياسية الإسلامية، ص: 214.

[103] مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها علال الفاسي، ص: 256.

[104] الحريات العامة (1/ 262).

[105] المصدر نفسه (1/ 262).

[106] الحريات العامة (1/ 262).

[107] البيعة أحكام ومضامين، د. عبد الله الوشلي، ص: 137.

[108] مسلم، ك الإمارة (3/ 1478)، رقم: 1825.

[109] حقوق الإنسان وحرّياته الأساسية هاني سليمان، ص: 213.

[110] حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ص: 215.

[111] حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ، ص: 215.

[112] المصدر نفسه، ص: 216.

[113] المصدر نفسه، ص: 216.

[114] حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ، ص: 216.

[115] المصدر نفسه، ص: 217.

[116] نظرية الدولة في الإسلام، ص: 176 ـ 187.

[117] الاجتهاد الفقهي المعاصر، د. حبيبة أبو زيد، ص: 150.

[118] الاجتهاد الفقهي المعاصر، د. حبيبة أبو زيد، ص: 150.

[119] البداية والنهاية (6/ 305 ـ 306) إسناده الصحيح.

[120] البداية والنهاية (6/ 305 ـ 306) إسناده الصحيح.

[121] الاجتهاد الفقهي المعاصر، ص: 150.

[122] التحليل السياسي (2/ 50).

[123] البداية والنهاية (6/ 305).

[124] فقه الشورى والاستشارة، ص: 441.

[125] صحيح سنن أبي داود، رقم: 3504.

[126] مسلم، ك الإيمان، رقم: 55.

[127] أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 127.

[128] مسلم، ك الإيمان، رقم: 172.

[129] أبو بكر رجل الدولة. مجدي حمدي، ص: 36 ـ 37.

[130] فقه الشورى والاستشارة، ص: 442.

[131] البداية والنهاية (6/ 305).

[132] فقه التمكين في القرآن الكريم، ص: 455.

[133] تفسير الرازي (10/ 141).

[134] فقه التمكين في القرآن الكريم، ص: 459.

[135] أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 128.

[136] المصدر نفسه، ص: 128.

[137] فقه التمكين في القرآن الكريم، ص: 461.

[138] الأحكام السلطانية للماوردي، ص: 201.

[139] الأحكام السلطانية للماوردي، ص: 201.

[140] أبو بكر رجل الدولة، ص: 48.

[141] أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 130.

[142] المصدر نفسه، ص: 130.

[143] المصدر نفسه، ص: 130.

[144] البداية والنهاية (6/ 305).

[145] سنن أبي داود، رقم: 3462، صححه الألباني.

[146] أبو بكر رجل الدولة، ص: 73.

[147] البداية والنهاية (6/ 305).

[148] صحيح الألباني، في ابن ماجه، رقم: 4019.

[149] أبو بكر رجل الدولة، ص: 66.

[150] أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 132.

[151] تفسير ابن كثير(5/ 58).

[152] منهج كتابة التاريخ الإسلامي، محمد صامل، ص:  65.

[153] أبو بكر الصّدِّيق، ص: 133.

[154] البداية والنهاية (6/ 306).

[155] فقه التمكين في القرآن الكريم للصَّلاَّبي، ص: 432.

[156] أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 125.

[157] المصدر نفسه، ص: 125 البخاري، رقم: 7145.

[158] حول تطبيق الشريعة، محمد قطب: 36.

[159] الشورى المغيبة، الشورى بين نصوص الوحي ومسارات التاريخ، د. خالد العسْري، ص: 134.

[160] الإيمان بالقرآن الكريم، د. علي الصَّلاَّبي، ص: 185.

[161] الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (1/ 60 ـ 61).

[162] البرهان في علوم القرآن (1/ 234 ـ 235).

[163] لا يأتيه الباطل، محمد سعيد رمضان، ص: 217.

[164] البرهان للزركشي (1/ 238) الإتقان (1/ 58) فتح الباري شرح البخاري (9/ 18).

[165] لا يأتيه الباطل، ص: 219.

[166] مدخل إلى دراسة الإعجاز العلمي، د. زغلول النجار، ص: 68.

[167] صحيح البخاري، رقم: 4710.

[168] لا يأتيه الباطل، ص: 219.

[169] حروب الردة وبناء الدولة، أحمد سعيد، ص: 145.

[170] استحر: كثر واشتد.

[171] أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 189.

[172] العسب : جريد النخل.

[173] اللخاف : جمع لخفة : وهي صفائح الحجارة.

[174] الرقاع : جمع رقعة وهي قطع الجلود.

[175] الأكتاف : جمع كتف وهو العظم الذي للبعير والشاة.

[176] البخاري، رقم: 4986.

[177] شرح السنة للبغوي (4/ 522).

[178] مصنف ابن أبي شيبة إسناده صحيح (7/ 196).

[179] التفوق والنجابة على نهج الصحابة، حمد العجمي، ص:  73.

[180] التفوق والنجابة على نهج الصحابة، ص:  74.

[181] أبو بكر الصّدِّيق للصلابي، ص:  264.

[182] الحضارة الإسلامية، توفيق الواعي، ص:  281.

[183] تميز الأمة الإسلامية (1/ 603).

[184] المصدر نفسه (1/ 603).

[185] دراسات في القرآن ، أحمد خليل، ص:  90.

[186] الإيمان بالقرآن والكتب السماوية، ص:  194.

[187] المصدر نفسه، ص:  194.

[188] النظام الحزبي في ضوء أحكام الشريعة، صباح مصطفى، ص:  180.

[189] المصدر نفسه، ص: 181.

[190] مسند أحمد (3 / 154).

[191] رياض الصالحين للنووي، باب الوفاء بالعهد، ص: 294.

[192] النظام الحزبي في ضوء أحكام الشريعة، ص: 184.

[193] فقه الخلافة وتطورها للسنهوري، ص: 195 ، 196.

[194] الاجتهاد الفقهي المعاصر، ص: 319.

[195] الاجتهاد الفقهي المعاصر، ص: 319.

[196] من فقه الدولة في الإسلام، ص: 84.

[197] الخلافة بين التنظير والتطبيق، ص: 323.

[198] صحيح مسلم، كتاب: الفتن (4 / 35).

[199] الخلافة بين التنظير والتطبيق، ص: 324.

[200] النظريات السياسية الإسلامية، ص:  375.

[201] الاجتهاد الفقهي المعاصر، ص:  321.

[202] السياسة والحكم، ص:  308 ـ 324.

[203] الاجتهاد الفقهي المعاصر، ص:  321.

[204] فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم، ص:  284.

[205] انظر: فقه الخلافة للسنهوري، ص:  287 مع التصرف.

[206] من فقه الدولة في الإسلام للقرضاوي، ص:  58.

[207] فقه الخلافة للسنهوري، ص:  285.

[208] المصدر نفسه، ص:  286.

[209] حول أساس المشروع الإسلامي، عبد الحميد الغزالي، ص:  210.

[210] المصدر نفسه، ص:  210.

[211] المصدر نفسه، ص:  211.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *