لا يُعدُّ النظام الدولي الليبرالي عالمياً ولا استثنائيا

حجم الخط

آرتا معينى وكريستوفر مُوت معهد السلام والدبلوماسية (IPD)

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)

يدعو الكاتبان في هذا المقال إلى تدقيقٍ تاريخيٍ لادّعاء دُعاة النزعة الدولية الليبرالية القائل بأنّ “النظام الدولي الليبرالي نظامٌ عالميٌ واستثنائي”، فهذا الادّعاء يقوم –حسبهما- على افتراضٍ يحتاجُ مراجعةً مفاده بأنّ “المجتمعات الليبرالية بطبيعتها مجتمعاتٌ أكثر سلمية (إن لم تكن الأفضل والأكثر تفوّقا) وبأنّها تتبنّى (أو ينبغي أن تتبنّى) سياساتٍ خارجيةٍ نشطةٍ مبنيةٍ على القيْم لنشر طريقتها الصالحة للحياة عبر العالم وتشكيل تحالفاتٍ لأجل الدفع بالمثُل الليبرالية قُدماً نحو الأمام.

وفقاً للكاتبيْن، لا يُشير النظام الليبرالي إلى وجود مثل هذا “التضامنٍ الايديولوجيٍ” بين الدول بقدر ما يعكس الاختلال الحاصل في ميزان القوة على الصعيد الدولي بعد الحرب العالمية الثانية الذّي جعل الولايات المتحدّة قوّة مُطلقةً مهيمنةً تفرض قواعد معيّنة فيه. أمّا ما هو استثنائي طيلة ال 75 سنة الماضية فلم يكن في الحقيقة هذا النظام الليبرالي الذّي صاغته واشنطن لخدمة مصالحها، بل تلك القوة المطلقة التّي تمكّنت الولايات المتحدّة من حشدها بسبب موقعها الجغرافي المُلائم وبُعدها النسبي عن مسارح النزاعات الدموية المُكلفة عبر محيطاتٍ ظلّت تحرس حدودها.

يُقدّم الكاتبيْن في القسم الأول من المقال حُججاً تاريخيةً تدحض “افتراض التضامن الايديولوجي” بين الدول الليبرالية أو بين دول الكتلة غير الليبرالية أيضا، مُوضّحين العوامل الأساسية التّي تقف وراء سلوكات الدول في علاقات الصداقة والعداء. على سبيل المثال لم تَحُلْ قيمتيْ حريّة التجارة وروح الديمقراطية التّي ميّزت كلاًّ من أثينا، البندقية وهولندا في التاريخ دون تعطّش هذه المجتمعات للحرب والغزو آنذاك. تحالفت أمريكا الفتيّة مع المَلَكيّة المُطلقة لفرنسا لكنّها رفضت دعم فرنسا الثورية الليبرالية في قتالها ضدّ بريطانيا. لم تكن عوامل التقارب الثقافي والروابط التجارية لوحدهما سبباً في منع حدوث عداءٍ بين أمريكا وبريطانيا العظمى، بل كانت الاهتمامات الجيوبولتيكية المشتركة لكليْهما هي السبب الأساسي في تقاربهما، فمع التراجع الشديد لبريطانيا كقوةٍ عالميةٍ بعد الحرب العالمية الثانية شعرت لندن بالخوف من صعود الاتّحاد السوفياتي في أوروبا، لهذا رحّبت بمكانها الجديد تحت مظلّة السلام الأمريكي المناوئة للسوفيات. عملت الدول الغربية الرأسمالية مع الاتّحاد السوفياتي الشيوعي للتغلّب على التهديد النّازي ضمن وفاقٍ كبيرٍ ليحصل بينهما خلافٌ كبيرٌ حول تقاسم الغنائم بعد زوال تهديد النازيّين.

ضمن الكتلة الايديولوجية الاشتراكية أيّام الحرب البرادة، تحدّت دول كيوغسلافيا بقيادة تيتو سلطة موسكو لأنّها رغبت في تعظيم استقلالها، كما تَواجَهت كلٌّ من الصين الماويّة والاتّحاد السوفياتي، في وقتٍ قام فيه دنغ شياو بينغ بتطبيع علاقات جمهورية الصين الشعبية مع أمريكا الليبرالية، وغيرها من الأمثلة.

هكذا، يُحاجج الباحثان بأنّ الجغرافيا والسياق هما العاملان الرئيسيّان المُحدّدان للسلوك في الجيوبولتيك وليس التضامن الايديولوجي بين البُلدان البعيدة ذات الظروف المتباينة، فغالباً ما تتنافس القوى الكبرى لتحقيق أقصى قدرٍ من الاستقلال الذاتّي وتحقيق الاعتراف الدولي وغالباً ما تكون أيضاً على استعدادٍ للتضحية بالايديولوجيا لتحقيق هذه الغايات. يتضّح هنا تبنّي الكاتبيْن لمنطلقات النظرية الواقعية البنيوية في تحليل السياسة الدولية.

ينتقل الباحثان بعدها في قسمٍ ثاني إلى دحض الحجّة القائلة “بالميزة الاستثنائية للنظام الدولي الليبرالي” (الذّي تقوده الولايات المتحدّة اليوم) عن هذا الاتّجاه العام للدول المُنخرطة في تجميع المصالح وفقاً لمنطق الواقعية السياسية، إذْ يرى الكاتبان بأنّ هذا الادّعاء يتجاهل حقيقة أنّ التحالف الغربي يعتمد على تفوّق القوّة الأمريكية وقدرتها على التأثير أكثر بكثيرٍ ممّا يعتمد على افتراضٍ مرتكزٍ على النزعة الاستثنائية الأمريكية كنظامٍ ديمقراطيٍ ليبرالي، فلو وُجد اليوم منافسٌ ليبرالي قويّ لانقسمت شبكة التحالف الأمريكي إلى حدٍّ كبير بالطريقة نفسها التّي حلّت بها الولايات المتحدّة محلّ بريطانيا العظمى كقوةٍ مهيمنةٍ بعد الحرب.

لا يُعدّ النظام الليبرالي الدولي “الاستثنائي” هذا سوى نتيجةً للتفوّق الأمريكي المُطلق بعد 1945 والذّي بلغ ذروته سنة 1990 ومكّن واشنطن من فرض قواعد معيّنة به، ولا يعكس أبداً وجود “تضامنٍ إيديولوجيٍ قيميٍّ ما”، لذلك فليس من المستغرب أن يبدو هذا النظام اليوم غير مستقرٍ مع تراجع القوّة الأمريكية وصعود قوى أخرى من العالم غير الغربي.

في القسم الأخير من المقال يُقدّم الكاتبان مجموعةً من التوصيات من شأنها أن تُساعد رجال الدولة على إدارة التنافس الدولي الجاري. سيكون من الضرر مثلاً اقامة التحالفات على الايديولوجيا بدلاً من مصالح الدول، فإقامتها على القيم المشتركة مثلاً يُهدّد بخلق بيئةٍ تُضَخَّمُ فيها الاختلافات الايديولوجية بين الدول كما تُضخّم فيها “التهديدات” تبعاً لذلك وتُخَرّب فيها الجهود الدبلوماسية بين الخصوم الايديولوجيين حتّى عندما تُملي المصلحة الاستراتيجية خلاف ذلك. يتضّح ذلك في تعاملات الغرب مع دولٍ كإيران، كوريا الشمالية وروسيا اليوم.

سيكون من الحكمة على دول حلف شمال الأطلسي أن ترى الحلف كمَوردٍ استراتيجيٍ يهدف إلى تجميع المصالح من أجل بلوغ النتائج الجيوبوليتيكية المرغوبة، لا باعتباره أداةً لشنّ حملاتٍ صليبيةٍ مثاليةٍ طوباويةٍ لأجل روح العالم أو النظر إليه كأداةٍ للرقي بالمبادئ العالمية المُجرَّدة وفرض قيم دولٍ ما أو مجموعة دولٍ على الآخرين.

ختاما، ينبغي النظر إلى السياسة الدولية من خلال عدسة الواقعية والتخلّي عن المحاولة المثالية لزرع مفاهيم النزعة الاستثنائية، النزعة العالمية الأخلاقية أو الحماس التبشيري في أُسس الجيوبولتيك، فلم تنهزم الدول عبر التاريخ بسبب قوة المنافسين ولكن بسبب الغطرسة، الثقّة المفرطة في الذات ومعاييرها ومعتقداتها، النرجسية الأخلاقية وتجاوز الحدود اللازمة كما لاحظ ثيوسيديدس ذلك منذ آلاف السنين.

إعداد وترجمة: جلال خشِّيب، البوصلة الجيوبوليتكية، مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية، المجلّد الثاني، العدد 82 بتاريخ 29 يونيو 2021، إسطنبول-تركيا (حقوق النشر: مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية 2021، جميع الحقوق محفوظة)

يُمكنكم تحميل العدد كاملا باللغتين العربية والإنجليزية على شكل ملف بي دي أف من الرابطين التاليين:

Arabic PDF

English PDF

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *