معالم في التفاعل الحضاري الإسلامي

حجم الخط

محمد المرابط

 إن الناظر في الفعل والتفاعل الحضاري الإسلامي يرى أن غالبية أبناء هذه الحضارة يجهلونه من حيث الوجود، ويتجاهلونه من حيث التفاعل الحالي، وهذا ناتج عن الانهزام النفسي الذي استقر في قلوب العديد من” المثقفين”، و”الباحثين”…، فأصبح “الآخر” هو الكل في الكل، وهو النور والقدوة، حتى ولو كان “منافقا” ظالما لا يهمه إلا مصلحته، السياسية والاقتصادية.

إن العالم الإسلامي اليوم في حاجة ماسة إلى بناء معالم أساس للفعل الحضاري يتماشى والروح الإسلامية والواقع المعاصر، قصد بناء توازن حضاري عالمي، لتتخلص الإنسانية من المشاكل التي تهددها، وليس هناك حل سوى الرجوع إلى أولي النهى منا قبل غيرنا، فالحضارة الإسلامية، حضارة العلماء الأمجاد والعقول العالمية، ما علينا الآن، هو معرفة هذه النوابغ والعمل على إحياء تراثها والاحتفاء بها وتعريف الجيل الصاعد بها.

إن الفعل الإسلامي الحضاري يجب ألا يقف وينحسر في المجال الجغرافي أو الثقافي الخاص، بل يجب أن يتعدى ذلك إلى المعرفة الكونية، حتى تتشكل الرؤية المستقبلية، لكن هذا الفعل يجب أن يراعي الأرضية التي يقف عليها والمجال الذي ينطلق منه، ومعالم سيره الكوني، وهذا ما نجده في العديد من علماء ومفكري الإسلام.

وأقصد بـ”الفعل الإسلامي الحضاري”، داك الفعل الذي يكون منطلقه الإسلام قرآنا وسنة وتراث العلماء، مع الإحساس بالمسؤولية والاعتزاز بالهوية الإسلامية الحضارية الكونية، والعمل على تجديد ما يجب أن يجدد مراعاة للتقلبات الحياتية الخاصة والعامة، الحالي منها والاعتباري، لتشكل الرؤى المستقبلية الكلية.

لقد ظهرت في التسعينات بعض الأقلام الغربية والأمريكية بالتحديد، التي تنادي بالصراع مع الحضارة الإسلامية والهجوم عليها بطرق مباشرة، طبعا لهذا الطرح أصول في الثقافة الغربية انبنى عليها، وغايات يعمل على تحقيقها، ومن أبرز من تبنى هذا الطرح، صمويل هنتغتون، الذي يعتبر الإسلام عدو حقيقي، لأنه يمثل قوة لا تضاهى من حيث الفاعلية وتحدي للكونية بأطروحاته المتضمنة في أصوله.

وفي 15 فبراير 1991 نشرت المجلة الالمانية “Der Spiegel” حوار مع المفكر المغربي وعالم المستقبليات تحت عنوان:

“الحرب الحضارية الأولى”

وهذا هو العنوان الذي أخرج به كتابه في نفس السنة، وقد تحدث في هذا الكتاب عن الحرب التي اشتعلت في الخليج، وعن مصدر الصراع والصدام، فيقول رحمه الله تعالى ” هذه هي الحرب الحضارية الأولى … ومن خلال وظائفي الدولية خلال 20 سنة كنت خلالها مكلفا بالثقافة عبر العالم، أدركت أن المصدر الأساس للنزاعات يوجد على مستوى أنظمة القيم الثقافية . “([1])

والمهدي المنجرة هو أول من استعمل مصلحي:

  “الحرب الحضارية الاولى ”

“الحرب ما بعد الاستعمارية ”

لكن استعماله لهذين المفهومين لا يعني بالضرورة انه مع أطروحة الصراع الحضاري، لا، انه متشبع بالفعل الحضاري الإسلامي، الذي لا يؤمن بالصدام ابتداء، اللهم إن حصل اعتداء، ولا سيبل لرفعه إلا الصراع، فمن هذا الباب دون غيره، كما أن هذا لا يعني أنه لا يؤمن بالتواصل والحوار والتعددية، فالقارئ لكتبه سيعرف طبيعة أطروحته، وإيمانه بثمار التواصل والحوار الجاد.

ولإنجاح الفعل الحضاري الإسلامي الحواري مع الأخر يجب معرفة ما يلي:

  • طبيعة بناء الحضارة الإسلامية وأبعادها العالمية والإنسانية، ومعرفة تاريخ علاقاتها بالحضارات الأخرى.
  • أن الإسلام يحترم الأخر دينيا وثقافيا واجتماعيا، لأن الاحترام هو أصل العيش والتعايش.
  • أن الإسلام جاء بقيم كونية لا تتصادم مع القيم الأخلاقية والإنسانية للأخر.

فالإسلام دائما يؤكد على الفاعلية واحترام التعددية، وتحقق ذلك متوقف على احترام أصول وقواعد الحوار التي بناه الإسلام، وهذا واضح في القران الكريم والسنة النبوية، والفعل الحضاري التراثي الإسلامي، فالإسلام لا يدعو إلى الصراع، أو ما يمكن أن يعد صراعا ابتداء، لا، فالصراع بالنسبة للإسلام، ما هو إلا حالة طارئة مفروضة من الآخر، ولا سبيل لدفع ظلمه إلا بهذه الطريقة، فكلما وجدت الاهانة والظلم، وجد العنف والصراع الحضاري، ما جعل الفعل الإسلامي الحضاري يدخل في متاهات غير محسوبة العواقب.

ومن الأسباب التي جعلت الفعل الحضاري الإسلامي-بعضه- يفقد توازنه، أسباب سياسية واقتصادية دينية وثقافية:

  • السياسية: بحكم الهيمنة التي الحاصلة والواقعة على الشعوب المغلوبة ودولها، ولا يمكن البتة أن يسمح لأي دولة أن تتقدم، فالتدخل الأمريكي في العراق خير دليل وتقسيم السودان وتجويع الصومال …وهنا يقول المفكر الكبير نعوم تشومسكي.
  • ” الدول التي تحاول التنمية المستقلة على أسس وطنية … تجابه بالعداء والعنف  من طرق القوى العالمية الظاهرة والحفية  ([2]) .
  • الاقتصاد: حيث “لم يعد الاحتلال العسكري السافر ضروريا، فقد برزت وسائل حديثة، مثل: صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.

يقرض البنك الدولي مقابل فرض سياسة ” تحرير الاقتصاد ” أي تهيئة الاقتصاد الوطني لاختراق المال الأجنبي ، وتحكمه فيه ، مع تخفيضات حادة في خدمة المجتمع ، يكرس هذا تقسيم المجتمع إلى أقلية ثرية وأكثرية تعاني الحرمان والفقر المدقع” ([3]) وهذا ما أكده المنجرة عدة مرات قبل تشومسكي.

  • الدين: حيث أصبح الغرب ينظر إلى الإسلام على أنه دين إرهاب، ولهذا التصور اسباب، اهمها:
  • الفعل الاستشراقي، والذي حدد غايته مند بداية العمل المؤسسي (النخب).
  • الإعلام، الذي يعمل على تصوير الإسلام دين عنف وبعد عن الحياة الطبيعية(العامة).
  • الثقافة: تلاعب المستشرقين في النصوص التراثية الإسلامية وتوجيهها نحو ما يخدم مصلحتهم، كما شوشوا على بعض المفكرين وعلماء الإسلام وشوهوا صمعتهم .

وفي ختام هذا المقال يمكن القول، أن الإسلام يدعو إلى التفاعل الايجابي (الرحمة- العدل… الحوار والجدال بالتي هي أحسن-الكلمة السواء-)، الأمر الذي يوجب على الجيل الحالي أن يعرف روح الإسلام،  وطبيعة انبناء حضارته الأخلاقية، والفعل الائتماني الإسلامي.

وما نراه من فكر صراعي داخلي( المسلمين) وخارجي(الآخر)، فهو إما لعدم فهم شمولية الإسلام، أو هناك مقاصد أخرى، تدفع “الفاعل الصراعي” إلى  البحث في التراث عما “يشرعن” به صراعه، ولو بإخراج النصوص عن سياقها الخاص  والعام، هذا في المجال التداولي الإسلامي، أما الصراع في التداول الغربي فهناك –كما سبق- تأصيل للفعل الصراعي، وتفعيله بطرق ناعمة.

باختصار، الصراع في الحضارة الإسلامية حالة استثنائية، والصراع في الحضارة الغربية حالة أصيلة.

أقول هذا، حتى نعرف من وراء المشاكل والصراعات الواقعة اليوم، ومن يجب أن يتحمل المسؤولية، ومن عليه العمل بجد وأمانة، للحد من هذا الفعل القاتل للحضارة.

 

([1]) الاهانة في عهد  الميغاامبريالية ، المهدي المنجرة ، ص27،

([2]) ماذا يريد العام سام ، نعوم تشومسكي ، ترجمة عادل المعلم ،ص 28 .ط 1، دار الشروق – القاهرة،1998م.

([3]) ماذا يريد العام سام ، ص 29 .

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *